فخر الدين الرازي
120
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
المسألة الثانية : قال قوم المراد بهذا الهلاك عذاب الاستئصال الذي كان اللّه ينزله بالمكذبين المعاندين كما بينه في قوم نوح وقوم هود وغيرهم ، وقال آخرون : المراد بهذا الهلاك الموت . قال القاضي : والأقرب ما تقدم ، لأنه في الزجر أبلغ ، فبين تعالى أن هذا الإمهال لا ينبغي أن يغتر به العاقل لأن العذاب مدخر ، فإن لكل أمة وقتا معينا في نزول العذاب لا يتقدم ولا يتأخر وقال قوم آخرون : المراد بهذا الهلاك مجموع الأمرين وهو نزول عذاب الاستئصال ونزول الموت ، لأن كل واحد منهما يشارك الآخر في كونه هلاكا ، فوجب حمل اللفظ على القدر المشترك الذي يدخل فيه القسمان معا . المسألة الثالثة : قال الفراء : لو لم تكن الواو مذكورة في قوله : وَلَها كِتابٌ كان صوابا كما في آية أخرى وهي قوله : وَما أَهْلَكْنا مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا لَها مُنْذِرُونَ [ الشعراء : 208 ] وهو كما تقول : ما رأيت أحدا إلا وعليه ثياب وإن شئت قلت : إلا عليه ثياب . أما قوله : ما تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَها وَما يَسْتَأْخِرُونَ ففيه مسائل : المسألة الأولى : قال الواحدي : من في قوله : مِنْ أُمَّةٍ زائدة مؤكدة كقولك : ما جاءني من أحد ، وقال آخرون : إنها ليست بزائدة لأنها تفيد التبعيض أي هذا الحكم لم يحصل في بعض من أبعاض هذه الحقيقة فيكون ذلك في إفادة عموم النفي آكد . المسألة الثانية : قال صاحب « النظم » معنى سبق إذا كان واقعا على شخص كان معناه أنه جاز وخلف كقولك سبق زيد عمرا ، أي جازه وخلفه وراءه ، ومعناه أنه قصر عنه وما بلغه ، وإذا كان واقعا على زمان كان بالعكس في ذلك ، كقولك : سبق فلان عام كذا معناه مضى قبل إتيانه ولم يبلغه فقوله : ما تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَها وَما يَسْتَأْخِرُونَ معناه أنه لا يحصل ذلك الأجل قبل ذلك الوقت ولا بعده ، بل إنما يحصل في ذلك الوقت بعينه ، والسبب فيه أن اختصاص كل حادث بوقته المعين دون الوقت الذي قبله أو بعده ليس على سبيل الاتفاق الواقع ، لا عن مرجح ولا عن مخصص فإن / رجحان أحد طرفي الممكن على الآخر لا لمرجح محال ، وإنما اختص حدوثه بذلك الوقت المعين لأن إله العالم خصصه به بعينه ، وإذا كان كذلك ، فقدرة الإله وإرادته اقتضتا ذلك التخصيص ، وعلمه وحكمته تعلقا بذلك الاختصاص بعينه ، ولما كان تغير صفات اللّه تعالى أعني القدرة والإرادة والعلم والحكمة ممتنعا كان تغير ذلك الاختصاص ممتنعا . إذا عرفت هذا فنقول : هذا الدليل بعينه قائم في أفعال العباد أعني أن الصادر من زيد هو الإيمان والطاعة ومن عمرو هو الكفر والمعصية فوجب أن يمتنع دخول التغير فيهما . فإن قالوا : هذا إنما يلزم لو كان المقتضي لحدوث الكفر والإيمان من زيد وعمرو هو قدرة اللّه تعالى ومشيئته . أما إذا قلنا : المقتضى لذلك هو قدرة زيد وعمرو ومشيئتهما سقط ذلك . قلنا : قدرة زيد وعمرو ومشيئتهما إن كانتا موجبتين لذلك الفعل المعين فخالق تلك القدرة والمشيئة الموجبتين لذلك الفعل هو الذي قدر ذلك الفعل بعينه فيعود الإلزام ، وإن لم تكونا موجبتين لذلك الفعل بل كانتا صالحتين له ولضده ، كان رجحان أحد الطرفين على الآخر لم يكن لمرجح ، فقد عاد الأمر إلى أنه حصل ذلك الاختصاص لا لمخصص وهو باطل ، وإن كان لمخصص فذلك المخصص إن كان هو العبد عاد البحث