فخر الدين الرازي
117
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
المسألة الثانية : رب حرف جر عند سيبويه ، ويلحقها « ما » على وجهين : أحدهما : أن تكون نكرة بمعنى شيء ، وذلك كقوله : رب ما تكره النفوس من الأمر * له فرجة كحل العقال فما في هذا البيت اسم والدليل عليه عود الضمير إليه من الصفة ، فإن المعنى رب شيء تكرهه النفوس وإذا عاد الضمير إليه كان اسما ولم يكن حرفا ، كما أن قوله تعالى : أَ يَحْسَبُونَ أَنَّما نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مالٍ وَبَنِينَ [ المؤمنون : 55 ] لما عاد الضمير إليه علمنا بذلك أنه اسم ، ومما يدل على أن « ما » قد يكون اسما إذا وقعت بعد رب وقوع من بعدها في قول الشاعر : يا رب من ينقص أزوادنا * رحن على نقصانه واغتدين فكما دخلت رب على كلمة « من » وكانت نكرة ، فكذلك تدخل على كلمة ( ما ) فهذا ضرب والضرب الآخر أن تدخل ما كافة كما في هذه الآية والنحويون يسمون ما هذه الكافة يريدون أنها بدخولها كفت الحرف عن العمل الذي كان له ، وإذا حصل هذا الكف فحينئذ تتهيأ للدخول على ما لم تكن تدخل عليه ، ألا ترى أن رب إنما تدخل على الاسم المفرد نحو رب رجل يقول ذاك ولا تدخل على الفعل ، فلما دخلت « ما » عليها هيأتها للدخول على الفعل كهذه الآية ، واللّه أعلم . المسألة الثالثة : اتفقوا على أن رب موضوعة للتقليل ، وهي في التقليل نظيرة كم في التكثير ، فإذا قال الرجل : ربما زارنا فلان ، دل ربما على تقليله الزيارة . قال الزجاج : ومن قال إن رب يعني بها الكثرة ، فهو ضد ما يعرفه أهل اللغة ، وعلى هذا التقدير : فههنا سؤال ، وهو أن تمني / الكافر الإسلام مقطوع به ، وكلما رب تفيد الظن ، وأيضا أن ذلك التمني يكثر ويتصل ، فلا يليق به لفظة رُبَما مع أنها تفيد التقليل . والجواب عنه من وجوه : الوجه الأول : أن من عادة العرب أنهم إذا أرادوا التكثير ذكروا لفظا وضع للتقليل ، وإذا أرادوا اليقين ذكروا لفظا وضع للشك ، والمقصود منه : إظهار التوقع والاستغناء عن التصريح بالغرض ، فيقولون : ربما ندمت على ما فعلت ، ولعلك تندم على فعلك ، وإن كان العلم حاصلا بكثرة الندم ووجوده بغير شك ، ومنه قول القائل : قد أترك القرن مصفرا أنامله والوجه الثاني : في الجواب أن هذا التقليل أبلغ في التهديد ، ومعناه : أنه يكفيك قليل الندم في كونه زاجرا عن هذا الفعل فكيف كثيرة ؟ والوجه الثالث : في الجواب أن يشغلهم العذاب عن تمني ذاك إلا في القليل . المسألة الرابعة : اتفقوا على أن كلمة « رب » مختصة بالدخول على الماضي كما يقال : ربما قصدني عبد اللّه ، ولا يكاد يستعمل المستقبل بعدها . وقال بعضهم : ليس الأمر كذلك والدليل عليه قول الشاعر : ربما تكره النفوس من الأمر