فخر الدين الرازي

114

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

الصفة الثالثة : قوله تعالى : وَتَغْشى وُجُوهَهُمُ النَّارُ ونظيره قوله تعالى : أَ فَمَنْ يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سُوءَ الْعَذابِ يَوْمَ الْقِيامَةِ [ الزمر : 24 ] وقوله : يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلى وُجُوهِهِمْ [ القمر : 48 ] . واعلم أن موضع المعرفة والنكرة والعلم والجهل هو القلب ، وموضع الفكر والوهم والخيال هو الرأس . وأثر هذه الأحوال إنما تظهر في الوجه ، فلهذا السبب خص اللّه تعالى هذين العضوين بظهور آثار العقاب فيهما فقال في القلب : نارُ اللَّهِ الْمُوقَدَةُ * الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الْأَفْئِدَةِ [ الهمزة : 6 ، 7 ] وقال في الوجه : وَتَغْشى وُجُوهَهُمُ النَّارُ بمعنى تتغشى ، ولما ذكر تعالى هذه الصفات الثلاثة قال : لِيَجْزِيَ اللَّهُ كُلَّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ قال الواحدي : المراد منه أنفس الكفار لأن ما سبق ذكره لا يليق أن يكون جزاء لأهل الإيمان ، وأقول يمكن إجراء اللفظ على عمومه ، لأن لفظ الآية يدل على أنه تعالى يجزي كل شخص بما يليق بعمله وكسبه ولما كان كسب هؤلاء الكفار الكفر والمعصية ، كان جزاؤهم هو هذا العقاب المذكور ، ولما كان كسب المؤمنين الأيمان والطاعة ، كان اللائق بهم هو الثواب وأيضا أنه تعالى لما عاقب المجرمين بجرمهم فلأن يثيب المطيعين على طاعتهم كان أولى . ثم قال تعالى : إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسابِ والمراد أنه تعالى لا يظلمهم ولا يزيد على عقابهم الذي يستحقونه . وحظ العقل منه أن الأخلاق الظلمانية هي المبادي لحصول الآلام الروحانية وحصول تلك الأخلاق في النفس على قدر صدور تلك الأعمال منهم في الحياة الدنيا ، فإن الملكات النفسانية إنما تحصل في جوهر النفس بسبب الأفعال المتكررة ، وعلى هذا التقدير فتلك الآلام تتفاوت بحسب تلك الأفعال في كثرتها وقلتها وشدتها وضعفها وذلك يشبه الحساب . ثم قال تعالى : هذا بَلاغٌ لِلنَّاسِ أي هذا التذكير والموعظة بلاغ للناس ، أي كفاية في الموعظة ثم اختلفوا فقيل : إن قوله هذا إشارة إلى كل القرآن ، وقيل : بل إشارة إلى كل هذه السورة ، وقيل : بل إشارة إلى المذكور من قوله : فَلا تَحْسَبَنَّ إلى قوله : سَرِيعُ الْحِسابِ وأما قوله : وَلِيُنْذَرُوا بِهِ فهو معطوف على محذوف أي لينتصحوا : وَلِيُنْذَرُوا بِهِ أي بهذا البلاغ . ثم قال : وَلِيَعْلَمُوا أَنَّما هُوَ إِلهٌ واحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُولُوا الْأَلْبابِ وفيه مسائل : المسألة الأولى : قد ذكرنا في هذا الكتاب مرارا أن النفس الإنسانية لها شعبتان : القوة النظرية وكمال حالها في معرفة الموجودات بأقسامها وأجناسها وأنواعها حتى تصير النفس كالمرآة / التي يتجلى فيها قدس الملكوت ويظهر فيها جلال اللاهوت ورئيس هذه المعارف والجلاء ، معرفة توحيد اللّه بحسب ذاته وصفاته وأفعاله . والشعبة الثانية : القوة العملية وسعادتها في أن تصير موصوفة بالأخلاق الفاضلة التي تصير مبادي لصدور الأفعال الكاملة عنها ، ورئيس سعادات هذه القوة طاعة اللّه وخدمته . إذا عرفت هذا فنقول : قوله : وَلِيَعْلَمُوا أَنَّما هُوَ إِلهٌ واحِدٌ إشارة إلى ما يجري مجرى الرئيس لكمال حال القوة النظرية وقوله : وَلِيَذَّكَّرَ أُولُوا الْأَلْبابِ إشارة إلى ما يجري مجرى الرئيس لكمال حال القوة العملية فإن الفائدة في هذا التذكر ، إنما هو الإعراض عن الأعمال الباطلة والإقبال على الأعمال الصالحة ، وهذه الخاتمة كالدليل القاطع في أنه لا سعادة للإنسان إلا من هاتين الجهتين .