فخر الدين الرازي

112

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

أخرى . والثاني : أن تفنى الذات الأولى وتحدث ذات أخرى ، والدليل على أن ذكر لفظ التبدل لإرادة التغير في الصفة جائز ، أنه يقال بدلت الحلقة خاتما إذا أذبتها وسويتها خاتما فنقلتها من شكل إلى شكل ، ومنه قوله تعالى : فَأُوْلئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ [ الفرقان : 70 ] ويقال : بدلت قميصي جبة أي نقلت العين من صفة إلى صفة أخرى ، ويقال : تبدل زيد إذا تغيرت أحواله ، وأما ذكر لفظ التبديل عند وقوع التبدل في الذوات فكقولك بدلت الدراهم دنانير ، ومنه قوله : بَدَّلْناهُمْ جُلُوداً غَيْرَها [ النساء : 56 ] وقوله : بَدَّلْناهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ [ سبأ : 16 ] إذا عرفت أن اللفظ محتمل لكل واحد من هذين المفهومين ففي الآية قولان : القول الأول : أن المراد تبديل الصفة لا تبديل الذات . قال ابن عباس رضي اللّه عنهما : هي تلك الأرض إلا أنها تغيرت في صفاتها ، فتسير عن الأرض جبالها وتفجر بحارها وتسوى ، فلا يرى فيها عوج ولا أمت . و روى أبو هريرة رضي اللّه عنه عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أنه قال : « يبدل اللّه الأرض غير الأرض فيبسطها ويمدها مد الأديم العاكظي فلا ترى فيها عوجا ولا أمتا » وقوله : وَالسَّماواتُ أي تبدل السماوات غير السماوات ، وهو كقوله عليه السلام : « لا يقتل مؤمن بكافر ولا ذو عهد في عهده » والمعنى : ولا ذو عهد في عهده بكافر ، وتبديل السماوات بانتثار كواكبها وانفطارها ، وتكوير شمسها ، وخسوف قمرها ، وكونها أبوابا ، وأنها تارة تكون كالمهل وتارة تكون كالدهان . والقول الثاني : أن المراد تبديل الذات . قال ابن مسعود : تبدل بأرض كالفضة البيضاء النقية لم يسفك عليها دم ولم تعمل عليها خطيئة ، فهذا شرح هذين القولين ، ومن الناس من رجح القول الأول قال لأن قوله : يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ المراد هذه الأرض ، والتبدل صفة مضافة إليها ، وعند حصول الصفة لا بد وأن يكون الموصوف موجودا ، فلما كان الموصوف بالتبدل هو هذه الأرض وجب كون هذه الأرض باقية عند حصول ذلك التبدل ، ولا يمكن أن تكون هذه الأرض باقية مع صفاتها عند حصول ذلك التبدل ، وإلا لامتنع حصول التبدل ، فوجب أن يكون الباقي هو الذات . فثبت أن هذه الآية تقتضي كون الذات باقية ، والقائلون بهذا القول هم الذين يقولون : إن عند قيام القيامة لا يعدم اللّه الذوات والأجسام ، وإنما يعدم صفاتها وأحوالها . واعلم أنه لا يبعد أن يقال : المراد من تبديل الأرض والسماوات هو أنه تعالى يجعل الأرض جهنم ، ويجعل السماوات الجنة ، والدليل عليه قوله تعالى : كَلَّا إِنَّ كِتابَ الْأَبْرارِ لَفِي عِلِّيِّينَ [ المطففين : 18 ] وقوله : كَلَّا إِنَّ كِتابَ الفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ [ المطففين : 7 ] واللّه أعلم . أما قوله تعالى : وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْواحِدِ الْقَهَّارِ فنقول أما البروز للّه فقد فسرناه في قوله تعالى : وَبَرَزُوا لِلَّهِ جَمِيعاً وإنما ذكر الواحد القهار هاهنا ، لأن الملك إذا كان لمالك واحد غلاب لا يغالب قهار لا يقهر فلا مستغاث لأحد إلى غيره فكان الأمر في غاية الصعوبة ، ونظيره قوله : لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْواحِدِ الْقَهَّارِ [ غافر : 16 ] ولما وصف نفسه سبحانه بكونه قهارا بين عجزهم وذلتهم ، فقال : وَتَرَى الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ . واعلم أنه تعالى ذكر في صفات عجزهم وذلتهم أمورا : فالصفة الأولى : كونهم مقرنين في الأصفاد . يقال : قرنت الشيء بالشيء إذا شددته به ووصلته . والقرآن اسم للحبل الذي يشد به شيئان . وجاء هاهنا على التكثير لكثرة أولئك القوم والأصفاد جمع صفد وهو القيد .