فخر الدين الرازي
109
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
[ سورة إبراهيم ( 14 ) : الآيات 44 إلى 45 ] وَأَنْذِرِ النَّاسَ يَوْمَ يَأْتِيهِمُ الْعَذابُ فَيَقُولُ الَّذِينَ ظَلَمُوا رَبَّنا أَخِّرْنا إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ نُجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعِ الرُّسُلَ أَ وَلَمْ تَكُونُوا أَقْسَمْتُمْ مِنْ قَبْلُ ما لَكُمْ مِنْ زَوالٍ ( 44 ) وَسَكَنْتُمْ فِي مَساكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنا بِهِمْ وَضَرَبْنا لَكُمُ الْأَمْثالَ ( 45 ) اعلم أن قوله : يَوْمَ يَأْتِيهِمُ الْعَذابُ فيه أبحاث : البحث الأول : قال صاحب « الكشاف » : يَوْمَ يَأْتِيهِمُ الْعَذابُ مفعول ثان لقوله : وَأَنْذِرِ وهو يوم القيامة . البحث الثاني : الألف واللام في لفظ الْعَذابُ للمعهود السابق ، يعني : وأنذر الناس يوم يأتيهم العذاب الذي تقدم ذكره وهو شخوص أبصارهم ، وكونهم مهطعين مقنعي رؤوسهم . البحث الثالث : الإنذار هو التخويف بذكر المضار ، والمفسرون مجمعون على أن قوله : يَوْمَ يَأْتِيهِمُ الْعَذابُ هو يوم القيامة ، وحمله أبو مسلم على أنه حال المعاينة ، والظاهر يشهد بخلافه ، لأنه تعالى وصف اليوم بأن عذابهم يأتي فيه وأنهم يسألون الرجعة ، ويقال لهم : أَ وَلَمْ تَكُونُوا أَقْسَمْتُمْ مِنْ قَبْلُ ما لَكُمْ مِنْ زَوالٍ ولا يليق ذلك إلا بيوم القيامة . وحجة أبي مسلم : أن هذه الآية شبيهة بقوله تعالى : وَأَنْفِقُوا مِنْ ما رَزَقْناكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْ لا أَخَّرْتَنِي إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ [ المنافقون : 10 ] ثم حكى اللّه سبحانه ما يقول الكفار في ذلك اليوم ، فقال : فَيَقُولُ الَّذِينَ ظَلَمُوا رَبَّنا / أَخِّرْنا إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ نُجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعِ الرُّسُلَ واختلفوا في المراد بقوله : أَخِّرْنا إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ فقال بعضهم : طلبوا الرجعة إلى الدنيا ليتلافوا ما فرطوا فيه ، وقال : بل طلبوا الرجوع إلى حال التكليف بدليل قولهم : نجب دعوتك ونتبع الرسل ، وأما على قول أبي مسلم فتأويل هذه الآية ظاهر فقال تعالى مجيبا لهم : أَ وَلَمْ تَكُونُوا أَقْسَمْتُمْ مِنْ قَبْلُ ما لَكُمْ مِنْ زَوالٍ ومعناه ما ذكره اللّه تعالى في آية أخرى ، وهو قوله تعالى : وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ لا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ [ النحل : 38 ] إلى غير ذلك مما كانوا يذكرونه من إنكار المعاد فقرعهم اللّه تعالى بهذا القول لأن التقريع بهذا الجنس أقوى ، ومعنى : ما لكم من زوال ، لا شبهة في أنهم كانوا يقولون لا زوال لنا من هذه الحياة إلى حياة أخرى ، ومن هذه الدار إلى دار المجازاة ، لا أنهم كانوا ينكرون أن يزولوا عن حياة إلى موت أو عن شباب إلى هرم أو عن فقر إلى غنى ، ثم إنه تعالى زادهم تقريعا آخر بقوله : وَسَكَنْتُمْ فِي مَساكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ يعني سكنتم في مساكن الذين كفروا قبلكم ، وهم قوم نوح وعاد وثمود ، وظلموا أنفسهم بالكفر والمعصية ، لأن من شاهد هذه الأحوال وجب عليه أن يعتبر ، فإذا لم يعتبر كان مستوجبا للذم والتقريع . ثم قال : وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنا بِهِمْ وظهر لكم أن عاقبتهم عادت إلى الوبال والخزي والنكال . فإن قيل : ولما ذا قيل : وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنا بِهِمْ ولم يكن القوم يقرون بأنه تعالى أهلكهم لأجل تكذيبهم ؟ قلنا : إنهم علموا أن أولئك المتقدمين كانوا طالبين للدنيا ثم إنهم فنوا وانقرضوا فعند هذا يعلمون أنه لا