فخر الدين الرازي

432

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

بالوفاء لكان المحبوب هو النصيب والحظ وموصل النصيب لا يكون محبوبا بالذات بل بالعرض ، فهذا هو الصبر الجميل . أما إذا كان الصبر لا لأجل الرضا بقضاء الحق سبحانه بل كان لسائر الأغراض ، فذلك الصبر لا يكون جميلا ، والضابط في جميع الأفعال والأقوال والاعتقادات أن كل ما كان لطلب عبودية اللَّه تعالى كان حسنا وإلا فلا ، وهاهنا يظهر صدق ما روي في الأثر « استفت قلبك ، ولو أفتاك المفتون » فليتأمل الرجل تأملا شافيا ، أن الذي أتى به هل الحاصل والباعث عليه طلب العبودية أم لا ؟ فإن أهل العلم لو أفتونا بالشيء مع أنه لا يكون في نفسه كذلك لم يظهر منه نفع البتة . ولما ذكر يعقوب قوله : فَصَبْرٌ جَمِيلٌ قال : وَاللَّهُ الْمُسْتَعانُ عَلى / ما تَصِفُونَ والمعنى : أن إقدامه على الصبر لا يمكن إلا بمعونة اللَّه تعالى ، لأن الدواعي النفسانية تدعوه إلى إظهار الجزع وهي قوية والدواعي الروحانية تدعوه إلى الصبر والرضا ، فكأنه وقعت المحاربة بين الصنفين ، فما لم تحصر إعانة اللَّه تعالى لم تحصل الغلبة ، فقوله : فَصَبْرٌ جَمِيلٌ يجري مجرى قوله : إِيَّاكَ نَعْبُدُ [ الفاتحة : 5 ] وقوله : وَاللَّهُ الْمُسْتَعانُ عَلى ما تَصِفُونَ يجري مجرى قوله : وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ [ الفاتحة : 5 ] . [ سورة يوسف ( 12 ) : الآيات 19 إلى 20 ] وَجاءَتْ سَيَّارَةٌ فَأَرْسَلُوا وارِدَهُمْ فَأَدْلى دَلْوَهُ قالَ يا بُشْرى هذا غُلامٌ وَأَسَرُّوهُ بِضاعَةً وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِما يَعْمَلُونَ ( 19 ) وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَراهِمَ مَعْدُودَةٍ وَكانُوا فِيهِ مِنَ الزَّاهِدِينَ ( 20 ) [ في قوله تعالى وَجاءَتْ سَيَّارَةٌ فَأَرْسَلُوا وارِدَهُمْ فَأَدْلى دَلْوَهُ ] اعلم أنه تعالى بين كيف سهل السبيل في خلاص يوسف من تلك المحنة ، فقال : وَجاءَتْ سَيَّارَةٌ يعني رفقة تسير للسفر . قال ابن عباس : جاءت سيارة أي قوم يسيرون من مدين إلى مصر فأخطئوا الطريق فانطلقوا يهيمون على غير طريق ، فهبطوا على أرض فيها جب يوسف عليه السلام ، وكان الجب في قفرة بعيدة عن العمران لم يكن إلا للرعاة ، وقيل : كان ماؤه ملحا فعذب حين ألقي فيه يوسف عليه السلام فأرسلوا رجلا يقال له : مالك بن ذعر الخزاعي ليطلب لهم الماء ، والوارد الذي يرد الماء ليستقي القوم فَأَدْلى دَلْوَهُ ونقل الواحدي عن عامة أهل اللغة أنه يقال : أدلى دلوه إذا أرسلها في البئر ودلاها إذا نزعها من البئر يقال : أدلى يدلي إدلاء إذا أرسل ودلا يدلو دلوا إذا جذب وأخرج ، والدلو معروف ، والجمع دلاء قالَ يا بُشْرى هذا غُلامٌ وهاهنا محذوف ، والتقدير : فظهر يوسف قال المفسرون : لما أدلى الوارد دلوه وكان يوسف في ناحية من قعر البئر تعلق بالحبل فنظر الوارد إليه ورأى حسنه نادى ، فقال : يا بشرى . وفيه مسألتان : المسألة الأولى : قرأ عاصم وحمزة والكسائي بُشْرى بغير الألف وبسكون الياء ، والباقون يا بشراي بالألف وفتح الياء على الإضافة . المسألة الثانية : في قوله : يا بُشْرى قولان : القول الأول : أنها كلمة تذكر عند البشارة ونظيره قولهم : يا عجبا من كذا وقوله : يا أَسَفى / عَلى يُوسُفَ وعلى هذا القول ففي تفسير النداء وجهان : الأول : قال الزجاج : معنى النداء في هذه الأشياء التي لا تجيب تنبيه المخاطبين وتوكيد القصة فإذا قلت : يا عجباه فكأنك قلت اعجبوا . الثاني : قال أبو علي : كأنه