فخر الدين الرازي

426

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

المسألة الأولى : قال صاحب « الكشاف » : لا تَأْمَنَّا قرئ بإظهار النونين وبالإدغام بإشمام وبغير إشمام ، والمعنى لم تخافنا عليه ونحن نحبه ونريد الخير به . المسألة الثانية : في يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ خمس قراءات : القراءة الأولى : قرأ ابن كثير : بالنون ، وبكسر عين نرتع من الارتعاء ، ويلعب بالياء والارتعاء افتعال من رعيت ، يقال : رعت الماشية الكلأ ترعاه رعيا إذا أكلته ، وقوله : نرتع / الارتعاء للإبل والمواشي ، وقد أضافوه إلى أنفسهم ، لأن المعنى نرتع إبلنا ، ثم نسبوه إلى أنفسهم لأنهم هم السبب في ذلك الرعي ، والحاصل أنهم أضافوا الارتعاء والقيام بحفظ المال إلى أنفسهم لأنهم بالغون كاملون وأضافوا اللعب إلى يوسف لصغره . القراءة الثانية : قرأ نافع : كلاهما بالياء وكسر العين من يرتع أضاف الارتعاء إلى يوسف بمعنى أنه يباشر رعي الإبل ليتدرب بذلك فمرة يرتع ومرة يلعب كفعل الصبيان . القراءة الثالثة : قرأ أبو عمرو وابن عامر نرتع بالنون وجزم العين ومثله نلعب . قال ابن الأعرابي : الرتع الأكل بشره ، وقيل : إنه الخصب ، وقيل : المراد من اللعب الإقدام على المباحات وهذا يوصف به الإنسان ، وأما نلعب فروي أنه قيل لأبي عمرو : كيف يقولون نلعب وهم أنبياء ؟ فقال لم يكونوا يومئذ أنبياء ، وأيضا جاز أن يكون المراد من اللعب الإقدام على المباحات لأجل انشراح الصدر كما روي عن النبي صلى اللَّه عليه وسلم أنه قال لجابر : « فهلا بكرا تلاعبها وتلاعبك » وأيضا كان لعبهم الاستباق ، والغرض منه تعلم المحاربة والمقاتلة مع الكفار ، والدليل عليه قولهم : إنا ذهبنا نستبق وإنما سموه لعبا لأنه في صورته . القراءة الرابعة : قرأ أهل الكوفة : كليهما بالياء وسكون العين ، ومعناه إسناد الرتع واللعب إلى يوسف عليه السلام . القراءة الخامسة : يَرْتَعْ بالياء وَنَلْعَبُ بالنون وهذا بعيد ، لأنهم إنما سألوا إرسال يوسف معهم ليفرح هو باللعب لا ليفرحوا باللعب ، واللَّه أعلم . [ سورة يوسف ( 12 ) : الآيات 13 إلى 14 ] قالَ إِنِّي لَيَحْزُنُنِي أَنْ تَذْهَبُوا بِهِ وَأَخافُ أَنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ وَأَنْتُمْ عَنْهُ غافِلُونَ ( 13 ) قالُوا لَئِنْ أَكَلَهُ الذِّئْبُ وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّا إِذاً لَخاسِرُونَ ( 14 ) اعلم أنهم لما طلبوا منه أن يرسل يوسف معهم اعتذر إليهم بشيئين : أحدهما : أن ذهابهم به ومفارقتهم إياه مما يحزنه لأنه كان لا يصبر عنه ساعة . والثاني : خوفه عليه من الذئب إذا غفلوا عنه برعيهم أو لعبهم لقلة اهتمامهم به . قيل : إنه رأى في النوم أن الذئب شد على يوسف ، فكان يحذره فمن هذا ذكر ذلك ، وكأنه لقنهم الحجة ، وفي أمثالهم البلاء موكل بالمنطق . وقيل : الذئاب كانت في أراضيهم كثيرة ، وقرئ الذِّئْبُ بالهمز على الأصل وبالتخفيف . وقيل : اشتقاقه من / تذاءبت الريح إذا أتت من كل جهة ، فلما ذكر يعقوب عليه السلام هذا الكلام أجابوا بقولهم : لَئِنْ أَكَلَهُ الذِّئْبُ وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّا إِذاً لَخاسِرُونَ وفيه سؤالات : السؤال الأول : ما فائدة اللام في قوله : لَئِنْ أَكَلَهُ الذِّئْبُ . والجواب من وجهين : الأول : أن كلمة إن تفيد كون الشرط مستلزما للجزاء ، أي إن وقعت هذه الواقعة فنحن خاسرون ، فهذه اللام دخلت لتأكيد هذا الاستلزام . الثاني : قال صاحب « الكشاف » هذه اللام تدل على