فخر الدين الرازي
423
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
لِلسَّائِلِينَ فاعلم أن هذه القصة فيها آيات كثيرة لمن سأل عنها ، وهو كقوله تعالى : فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَواءً لِلسَّائِلِينَ [ فصلت : 10 ] . ثم قال تعالى : إِذْ قالُوا لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلى أَبِينا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ وفيه مسألتان : المسألة الأولى : قوله : لَيُوسُفُ اللام لام الابتداء ، وفيها تأكيد وتحقيق لمضمون الجملة . أرادوا أن زيادة محبته لهما أمر ثابت لا شبهة فيه وأخوه هو بنيامين ، وإنما قالوا أخوه ، وهم جميعا إخوة لأن أمهما كانت واحدة والعصبة والعصابة العشرة فصاعدا ، وقيل إلى الأربعين سموا بذلك / لأنهم جماعة تعصب بهم الأمور ، ونقل عن علي عليه السلام أنه قرأ ونحن عصبة بالنصب قيل : معناه ونحن نجتمع عصبة . المسألة الثانية : المراد منه بيان السبب الذي لأجله قصدوا إيذاء يوسف ، وذلك أن يعقوب كان يفضل يوسف وأخاه على سائر الأولاد في الحب وأنهم تأذوا منه لوجوه : الأول : أنهم كانوا أكبر سنا منهما . وثانيها : أنهم كانوا أكثر قوة وأكثر قياما بمصالح الأب منهما . وثالثها : أنهم قالوا إنا نحن القائمون بدفع المفاسد والآفات ، والمشتغلون بتحصيل المنافع والخيرات . إذا ثبت ما ذكرناه من كونهم متقدمين على يوسف وأخيه في هذه الفضائل ، ثم إنه عليه السلام كان يفضل يوسف وأخاه عليهم لا جرم قالوا : إِنَّ أَبانا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ يعني هذا حيف ظاهر وضلال بين . وهاهنا سؤالات : السؤال الأول : إن من الأمور المعلومة أن تفضيل بعض الأولاد على بعض يورث الحقد والحسد ، ويورث الآفات ، فلما كان يعقوب عليه السلام عالما بذلك فلم أقدم على هذا التفضيل وأيضا الأسن والأعلم والأنفع أفضل ، فلم قلب هذه القضية ؟ والجواب : أنه عليه السلام ما فضلهما على سائر الأولاد إلا في المحبة ، والمحبة ليست في وسع البشر فكان معذورا فيه ولا يلحقه بسبب ذلك لوم . السؤال الثاني : أن أولاد يعقوب عليه السلام إن كانوا قد آمنوا بكونه رسولا حقا من عند اللَّه تعالى فكيف اعترضوا عليه ، وكيف زيفوا طريقته وطعنوا في فعله ، وإن كانوا مكذبين لنبوته فهذا يوجب كفرهم . والجواب : أنهم كانوا مؤمنين بنبوة أبيهم مقرين بكونه رسولا حقا من عند اللَّه تعالى ، إلا أنهم لعلهم جوزوا من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام أن يفعلوا أفعالا مخصوصة بمجرد الاجتهاد ، ثم إن اجتهادهم أدى إلى تخطئة أبيهم في ذلك الاجتهاد ، وذلك لأنهم كانوا يقولون هما صبيان ما بلغا العقل الكامل ونحن متقدمون عليهما في السن والعقل والكفاية والمنفعة وكثرة الخدمة والقيام بالمهمات وإصراره على تقديم يوسف علينا يخالف هذا الدليل . وأما يعقوب عليه السلام فلعله كان يقول : زيادة المحبة ليست في الوسع والطاقة ، فليس للَّه علي فيه تكليف . وأما تخصيصهما بمزيد البر فيحتمل أنه كان لوجوه : أحدها : أن أمهما ماتت وهما صغار . وثانيها : لأنه كان يرى فيه من آثار الرشد والنجابة ما لم يجد في سائر الأولاد ، وثالثها : لعله عليه السلام وإن كان صغيرا إلا أنه كان يخدم أباه بأنواع من الخدم أشرف وأعلى بما كان يصدر عن سائر الأولاد ، والحاصل أن هذه المسألة كانت اجتهادية ، وكانت مخلوطة بميل النفس وموجبات الفطرة ، فلا يلزم من وقوع الاختلاف فيها طعن أحد الخصمين في دين الآخر أو في عرضه .