فخر الدين الرازي

418

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

ثم قال : وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ يريد من قبل أن نوحي إليك لَمِنَ الْغافِلِينَ عن قصة يوسف وإخوته ، لأنه عليه السلام إنما علم ذلك بالوحي ، ومنهم من قال : المراد أنه كان من الغافلين عن الدين والشريعة قبل ذلك كما قال تعالى : ما كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتابُ وَلَا الْإِيمانُ [ الشورى : 52 ] . [ سورة يوسف ( 12 ) : آية 4 ] إِذْ قالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يا أَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَباً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي ساجِدِينَ ( 4 ) وفيه مسائل : المسألة الأولى : تقدير الآية : اذكر إِذْ قالَ يُوسُفُ قال صاحب « الكشاف » : الصحيح أنه اسم عبراني ، لأنه لو كان عربيا لانصرف لخلوه عن سبب آخر سوى التعريف ، وقرأ بعضهم يوسف بكسر السين ويوسف بفتحها . وأيضا روى في يونس هذه اللغات الثلاث ، وعن النبي صلى اللَّه عليه وسلم قال : « إذا قيل من الكريم فقولوا الكريم ابن الكريم ابن الكريم يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم عليهم السلام » . المسألة الثانية : قرأ ابن عامر يا أبت بفتح التاء في جميع القرآن ، والباقون بكسر التاء . أما الفتح فوجهه أنه كان في الأصل يا أبتاه على سبيل الندبة ، فحذفت الألف والهاء . وأما الكسر فأصله يا أبي ، فحذفت الياء واكتفى بالكسرة عنها ثم أدخل هاء الوقف فقال : يا أَبَتِ ثم كثر استعماله حتى صار كأنه من نفس الكلمة فأدخلوا عليه الإضافة ، وهذا قول ثعلب وابن الأنباري . واعلم أن النحويين طولوا في هذه المسألة ، ومن أراد كلامهم فليطالع « كتبهم » . المسألة الثالثة : أن يوسف عليه السلام رأى في المنام أن أحد عشر كوكبا والشمس والقمر سجدت له ، وكان له أحد عشر نفرا من الأخوة ، ففسر الكواكب بالأخوة ، والشمس والقمر بالأب والأم ، والسجود بتواضعهم به ودخولهم تحت أمره ، وإنما حملنا قوله : إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَباً على الرؤيا لوجهين : الأول : أن الكواكب لا تسجد في الحقيقة ، فوجب حمل هذا الكلام على الرؤيا . والثاني : قول يعقوب عليه السلام : لا تَقْصُصْ رُؤْياكَ عَلى إِخْوَتِكَ [ يوسف : 5 ] وفي الآية سؤالات : السؤال الأول : قوله : رَأَيْتُهُمْ لِي ساجِدِينَ فقوله : ساجِدِينَ لا يليق إلا بالعقلاء ، والكواكب جمادات ، فكيف جازت اللفظة المخصوصة بالعقلاء في حق الجمادات . قلنا : إن جماعة من الفلاسفة الذين يزعمون أن الكواكب أحياء ناطقة احتجوا بهذه الآية ، وكذلك احتجوا بقوله تعالى : وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ [ الأنبياء : 33 ] والجمع بالواو والنون مختص بالعقلاء . وقال الواحدي : إنه تعالى لما وصفها بالسجود صارت كأنها تعقل ، فأخبر عنها كما يخبر عمن يعقل كما قال في صفة الأصنام وَتَراهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لا يُبْصِرُونَ [ الأعراف : 198 ] وكما في قوله : يا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَساكِنَكُمْ [ النمل : 18 ] . السؤال الثاني : قال : إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَباً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ ثم أعاد لفظ الرؤيا مرة ثانية ، وقال : رَأَيْتُهُمْ لِي ساجِدِينَ فما الفائدة في هذا التكرير ؟ الجواب : قال القفال رحمه اللَّه : ذكر الرؤية الأولى لتدل على أنه شاهد الكواكب والشمس والقمر ، والثانية لتدل على مشاهدة كونها ساجدة له ، وقال بعضهم : إنه لما قال : إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَباً وَالشَّمْسَ