فخر الدين الرازي

408

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

إقامتهما كفارة لكل ذنب سواهما فبتقدير أن يقال إن سائر الصلوات واجبة إلا / أن إقامتهما يجب أن تكون كفارة لترك سائر الصلوات . واعلم أن هذا القول باطل بإجماع الأمة فلا يلتفت إليه . المسألة الثانية : كثرت المذاهب في تفسير طرفي النهار والأقرب أن الصلاة التي تقام في طرفي النهار وهي الفجر والعصر ، وذلك لأن أحد طرفي النهار طلوع الشمس والطرف الثاني منه غروب الشمس فالطرف الأول هو صلاة الفجر والطرف الثاني لا يجوز أن يكون صلاة المغرب لأنها داخلة تحت قوله : وَزُلَفاً مِنَ اللَّيْلِ فوجب حمل الطرف الثاني على صلاة العصر . إذا عرفت هذا كانت الآية دليلا على قول أبي حنيفة رحمه اللَّه في أن التنوير بالفجر أفضل ، وفي أن تأخير العصر أفضل وذلك لأن ظاهر هذه الآية يدل على وجوب إقامة الصلاة في طرفي النهار وبينا أن طرفي النهار هما الزمان الأول لطلوع الشمس ، والزمان الثاني لغروبها ، وأجمعت الأمة على أن إقامة الصلاة في ذلك الوقت من غير ضرورة غير مشروعة ، فقد تعذر العمل بظاهر هذه الآية ، فوجب حمله على المجاز ، وهو أن يكون المراد : أقم الصلاة في الوقت الذي يقرب من طرفي النهار ، لأن ما يقرب من الشيء يجوز أن يطلق عليه اسمه ، وإذا كان كذلك فكل وقت كان أقرب إلى طلوع الشمس وإلى غروبها كان أقرب إلى ظاهر اللفظ ، وإقامة صلاة الفجر عند التنوير أقرب إلى وقت الطلوع من إقامتها عند التغليس ، وكذلك إقامة صلاة العصر عندما يصير ظل كل شيء مثليه أقرب إلى وقت الغروب من إقامتها عندما يصير ظل كل شيء مثله ، والمجاز كلما كان أقرب إلى الحقيقة كان حمل اللفظ عليه أولى ، فثبت أن ظاهر هذه الآية يقوي قول أبي حنيفة في هاتين المسألتين . وأما قوله : وَزُلَفاً مِنَ اللَّيْلِ فهو يقتضي الأمر بإقامة الصلاة في ثلاث زلف من الليل ، لأن أقل الجمع ثلاثة وللمغرب والعشاء وقتان ، فيجب الحكم بوجوب الوتر حتى يحصل زلف ثلاثة يجب إيقاع الصلاة فيها ، وإذا ثبت وجوب الوتر في حق النبي صلى اللَّه عليه وسلم وجب في حق غيره لقوله تعالى : وَاتَّبِعُوهُ [ سبأ : 20 ] ونظير هذه الآية بعينها قوله سبحانه وتعالى : وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِها [ طه : 30 ] فالذي هو قبل طلوع الشمس هو صلاة الفجر ، والذي هو قبل غروبها هو صلاة العصر . ثم قال تعالى : وَمِنْ آناءِ اللَّيْلِ فَسَبِّحْ وهو نظير قوله : وَزُلَفاً مِنَ اللَّيْلِ . المسألة الثالثة : قال المفسرون : نزلت هذه الآية في رجل أتى النبي صلى اللَّه عليه وسلم فقال : ما تقولون في رجل أصاب من امرأة محرمة كلما يصيبه الرجل من امرأته غير الجماع ، فقال عليه الصلاة والسلام : « ليتوضأ وضوءا حسنا ثم ليقم وليصل » فأنزل اللَّه تعالى هذه الآية ، فقيل / للنبي عليه الصلاة والسلام : هذا له خاصة ، فقال : « بل هو للناس عامة » وقوله : وَزُلَفاً مِنَ اللَّيْلِ قال الليث : زلفة من أول الليل طائفة ، والجمع الزلف . قال الواحدي : وأصل الكلمة من الزلف والزلفى هي القربى ، يقال : أزلفته فازدلف أي قربته فاقترب . المسألة الرابعة : قال صاحب « الكشاف » : قرئ زُلَفاً بضمتين و زُلَفاً بإسكان اللام وزلفى بوزن قربى فالزلف جمع زلفة كظلم جمع ظلمة والزلف بالسكون نحو بسرة وبسر والزلف بضمتين نحو : يسر في يسر ، والزلفى بمعنى الزلفة كما أن القربى بمعنى القربة وهو ما يقرب من آخر النهار من نحو : يسر في يسر ، والزلفى بمعنى الزلفة كما أن القربى بمعنى القربة وهو ما يقرب من آخر النهار من الليل ، وقيل في تفسير قوله : وَزُلَفاً مِنَ اللَّيْلِ وقربا من الليل ، ثم قال : إِنَّ الْحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ وفيه مسألتان :