فخر الدين الرازي

401

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

وأما العقل فوجهان : الأول : أن معصية الكافر متناهية ومقابلة الجرم المتناهي بعقاب لا نهاية له ظلم وأنه لا يجوز . الثاني : أن ذلك العقاب ضرر خال عن النفع فيكون قبيحا بيان خلوه عن النفع أن ذلك النفع لا يرجع إلى اللَّه تعالى لكونه متعاليا عن النفع والضرر ولا إلى ذلك المعاقب لأنه في حقه ضرر محض ولا إلى غيره ، لأن أهل الجنة مشغولون بلذاتهم فلا فائدة لهم في الالتذاذ بالعذاب الدائم في حق غيرهم ، فثبت أن ذلك العذاب ضرر خال عن جميع جهات النفع فوجب أن لا يجوز ، وأما الجمهور الأعظم من الأمة ، فقد اتفقوا على أن عذاب الكافر دائم وعند هذا احتاجوا إلى الجواب عن التمسك بهذه الآية . أما قوله : خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ فذكروا عنه جوابين : الأول : قالوا المراد سماوات الآخرة وأرضها . قالوا والدليل على أن في الآخرة سماء وأرضا قوله تعالى : يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّماواتُ [ إبراهيم : 48 ] وقوله : وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشاءُ [ الزمر : 74 ] وأيضا لا بد لأهل الآخرة مما يقلهم ويظلهم ، وذلك هو الأرض والسماوات . ولقائل أن يقول : التشبيه إنما يحسن ويجوز إذا كان حال المشبه به معلوما مقررا فيشبه به غيره تأكيدا لثبوت الحكم في المشبه ووجود السماوات والأرض في الآخرة غير معلوم وبتقدير أن يكون وجوده معلوما إلا أن بقاءها على وجه لا يفنى البتة غير معلوم ، فإذا كان أصل وجودهما مجهولا لأكثر الخلق ودوامهما أيضا مجهولا للأكثر ، كان تشبيه عقاب الأشقياء به في الدوام كلاما عديم الفائدة ، أقصى ما في الباب أن يقال : لما ثبت بالقرآن وجود سماوات وأرض في الآخرة وثبت دوامهما وجب الاعتراف به ، وحينئذ يحسن التشبيه ، إلا أنا نقول : لما كان الطريق في إثبات دوام سماوات أهل الآخرة ودوام أرضهم هو السمع ، ثم السمع دل على دوام عقاب الكافر ، فحينئذ الدليل الذي دل على ثبوت الحكم في الأصل حاصل بعينه في الفرع ، وفي هذه الصورة أجمعوا على أن القياس ضائع والتشبيه باطل ، فكذا هاهنا . والوجه الثاني : في الجواب قالوا إن العرب يعبرون عن الدوام والأبد بقولهم ما دامت السماوات والأرض ، ونظيره أيضا قولهم ما اختلف الليل والنهار ، وما طما البحر ، وما أقام الجبل ، وأنه تعالى خاطب العرب على عرفهم في كلامهم فلما ذكروا هذه الأشياء بناء على اعتقادهم أنها باقية أبد الآباد ، علمنا أن هذه الألفاظ بحسب عرفهم تفيد الأبد والدوام الخالي عن الانقطاع . ولقائل أن يقول : هل تسلمون أن قول القائل : خالدين فيها ما دامت السماوات والأرض ، يمنع من بقائها موجودة بعد فناء السماوات ، أو تقولون إنه لا يدل على هذا المعنى ، فإن كان الأول ، فالإشكال لازم ، لأن النص لما دل على أنه يجب أن تكون مدة كونهم في النار مساوية لمدة بقاء السماوات ويمنع من حصول بقائهم في النار بعد فناء السماوات ، ثم ثبت أنه لا بد من فناء السماوات فعندها يلزمكم القول بانقطاع ذلك العقاب ، وأما إن قلتم هذا الكلام لا يمنع بقاء كونهم في النار بعد فناء السماوات والأرض ، فلا حاجة بكم إلى هذا الجواب البتة ، فثبت أن هذا الجواب على كلا التقديرين ضائع . واعلم أن الجواب الحق عندي في هذا الباب شيء آخر ، وهو أن المعهود من الآية أنه متى كانت السماوات والأرض دائمتين ، كان كونهم في النار باقيا فهذا يقتضي أن كلما حصل الشرط حصل المشروط ولا يقتضي أنه إذا عدم الشرط يعدم المشروط : ألا ترى أنا نقول : إن كان هذا إنسانا فهو حيوان .