فخر الدين الرازي

395

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

ثم قال : بِئْسَ الرِّفْدُ الْمَرْفُودُ والرفد هو العطية وأصله الذي يعين على المطلوب سأل نافع بن الأزرق ابن عباس رضي اللَّه عنهما عن قوله : بِئْسَ الرِّفْدُ الْمَرْفُودُ قال هو اللعنة بعد اللعنة . قال قتادة : ترادفت عليهم لعنتان من اللَّه تعالى لعنة في الدنيا ولعنة في الآخرة وكل شيء جعلته عونا لشيء فقد رفدته به . [ سورة هود ( 11 ) : الآيات 100 إلى 101 ] ذلِكَ مِنْ أَنْباءِ الْقُرى نَقُصُّهُ عَلَيْكَ مِنْها قائِمٌ وَحَصِيدٌ ( 100 ) وَما ظَلَمْناهُمْ وَلكِنْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَما أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ لَمَّا جاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَما زادُوهُمْ غَيْرَ تَتْبِيبٍ ( 101 ) اعلم أنه تعالى لما ذكر قصص الأولين قال : ذلِكَ مِنْ أَنْباءِ الْقُرى نَقُصُّهُ عَلَيْكَ والفائدة في ذكرها أمور : أولها : أن الانتفاع بالدليل العقلي المحض إنما يحصل للإنسان الكامل ، وذلك إنما يكون في غاية الندرة . فأما إذا ذكرت الدلائل ثم أكدت بأقاصيص الأولين صار ذكر هذه الأقاصيص كالموصل لتلك الدلائل العقلية إلى العقول . الوجه الثاني : أنه تعالى خلط بهذه الأقاصيص أنواع الدلائل التي كان الأنبياء عليهم السلام يتمسكون بها ويذكر مدافعات الكفار لتلك الدلائل وشبهاتهم في دفعها ، ثم يذكر عقيبهما أجوبة الأنبياء عنها ثم يذكر عقيبها أنهم لما أصروا واستكبروا وقعوا في عذاب الدنيا وبقي عليهم اللعن والعقاب في الدنيا وفي الآخرة ، فكان ذكر هذه القصص سببا لإيصال الدلائل والجوابات عن الشبهات إلى قلوب المنكرين ، وسببا لإزالة القسوة والغلظة عن قلوبهم ، فثبت أن أحسن الطرق في الدعوة إلى اللَّه تعالى ما ذكرناه . الفائدة الثالثة : أنه عليه السلام كان يذكر هذه القصص من غير مطالعة كتب ، ولا تلمذ لأحد وذلك معجزة عظيمة تدل على النبوة كما قررناه . الفائدة الرابعة : إن الذين يسمعون هذه القصص يتقرر عندهم أن عاقبة الصديق والزنديق والموافق والمنافق إلى ترك الدنيا والخروج عنها ، إلا أن المؤمن يخرج من الدنيا مع الثناء الجميل في الدنيا ، والثواب الجزيل في الآخرة ، والكافر يخرج من الدنيا مع اللعن في الدنيا / والعقاب في الآخرة ، فإذا تكررت هذه الأقاصيص على السمع ، فلا بد وأن يلين القلب وتخضع النفس وتزول العداوة ويحصل في القلب خوف يحمله على النظر والاستدلال ، فهذا كلام جليل في فوائد ذكر هذه القصص . أما قوله : ذلِكَ مِنْ أَنْباءِ الْقُرى ففيه أبحاث : البحث الأول : أو قوله : ذلِكَ إشارة إلى الغائب ، والمراد منه هاهنا الإشارة إلى هذه القصص التي تقدمت ، وهي حاضرة ، إلا أن الجواب عنه ما تقدم في قوله : ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ [ البقرة : 2 ] . البحث الثاني : أن لفظ « ذلك » يشار به إلى الواحد والاثنين والجماعة لقوله تعالى : لا فارِضٌ وَلا بِكْرٌ عَوانٌ بَيْنَ ذلِكَ [ البقرة : 68 ] وأيضا يحتمل أن يكون المراد ذلك الذي ذكرناه هو كذا وكذا . البحث الثالث : قال صاحب « الكشاف » : « ذلك » مبتدأ مِنْ أَنْباءِ الْقُرى خبر نَقُصُّهُ عَلَيْكَ خبر بعد خبر أي ذلك المذكور بعض أنباء القرى مقصوص عليك . ثم قال : مِنْها قائِمٌ وَحَصِيدٌ والضمير في قوله :