فخر الدين الرازي
391
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
المسألة الثانية : من الناس من قال : الفقه اسم لعلم مخصوص ، وهو معرفة غرض المتكلم من كلامه واحتجوا بهذه الآية وهي قوله : ما نَفْقَهُ كَثِيراً مِمَّا تَقُولُ فأضاف الفقه إلى القول ثم صار اسما لنوع معين من علوم الدين ، ومنهم من قال : إنه اسم لمطلق الفهم . يقال : أوتي فلان فقها في الدين ، أي فهما . وقال النبي صلى اللَّه عليه وسلم : « من يرد اللَّه به خيرا يفقهه في الدين » أي يفهمه تأويله . والنوع الثاني : من الأشياء التي ذكروها قولهم : وَإِنَّا لَنَراكَ فِينا ضَعِيفاً وفيه وجهان : الأول : أنه الضعيف الذي يتعذر عليه منع القوم عن نفسه ، والثاني : أن الضعيف هو الأعمى بلغة حمير . واعلم أن هذا القول ضعيف لوجوه : الأول : أنه ترك للظاهر من غير دليل ، والثاني : أن قوله : فِينا يبطل هذا الوجه ؛ ألا ترى أنه لو قال : إنا لنراك أعمى فينا كان فاسدا ، لأن الأعمى أعمى فيهم وفي غيرهم ، الثالث : أنهم قالوا بعد ذلك وَلَوْ لا رَهْطُكَ لَرَجَمْناكَ فنفوا عنه القوة التي أثبتوها في رهطه ، ولما كان المراد بالقوة التي أثبتوها للرهط هي النصرة ، وجب أن تكون القوة التي نفوها عنه هي النصرة ، والذين حملوا اللفظ على ضعف البصر لعلهم إنما حملوه عليه ، لأنه سبب للضعف . واعلم أن أصحابنا يحوزون العمى على الأنبياء ، إلا أن هذا اللفظ لا يحسن الاستدلال به في إثبات هذا المعنى لما بيناه . وأما المعتزلة فقد اختلفوا فيه فمنهم من قال : إنه لا يجوز لكونه متعبدا فإنه لا يمكنه الاحتراز عن النجاسات ، ولأنه ينحل بجواز كونه حاكما وشاهدا ، فلأن يمنع من النبوة كان أولى ، والكلام فيه لا يليق بهذه الآية ، لأنا بينا أن الآية لا دلالة فيها على هذا المعنى . والنوع الثالث : من الأشياء التي ذكروها قولهم : وَلَوْ لا رَهْطُكَ لَرَجَمْناكَ وفيه مسألتان : المسألة الأولى : قال صاحب « الكشاف » : الرهط من الثلاثة إلى العشرة ، وقيل إلى السبعة ، وقد كان رهطه على ملتهم . قالوا لولا حرمة رهطك عندنا بسبب كونهم على ملتنا لرجمناك ، والمقصود من هذا الكلام أنهم بينوا أنه لا حرمة له عندهم ، ولا وقع له في صدورهم ، وأنهم إنما لم يقتلوه / لأجل احترامهم رهطه . المسألة الثانية : الرجم في اللغة عبارة عن الرمي ، وذلك قد يكون بالحجارة عند قصد القتل ، ولما كان هذا الرجم سببا للقتل لا جرم سموا القتل رجما ، وقد يكون بالقول الذي هو القذف ، كقوله : رَجْماً بِالْغَيْبِ [ الكهف : 22 ] وقوله : وَيَقْذِفُونَ بِالْغَيْبِ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ [ سبأ : 53 ] وقد يكون بالشتم واللعن ، ومنه قوله : الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ * [ النحل : 98 ] وقد يكون بالطرد كقوله : رُجُوماً لِلشَّياطِينِ [ الملك : 5 ] . إذا عرفت هذا ففي الآية وجهان : الأول : لَرَجَمْناكَ لقتلناك . الثاني : لشتمناك وطردناك . النوع الرابع : من الأشياء التي ذكروها قولهم : وَما أَنْتَ عَلَيْنا بِعَزِيزٍ ومعناه أنك لما لم تكن علينا عزيزا سهل علينا الإقدام على قتلك وإيذائك . واعلم أن كل هذه الوجوه التي ذكروها ليست دافعا لما قرره شعيب عليه السلام من الدلائل والبينات ، بل هي جارية مجرى مقابلة الدليل والحجة بالشتم والسفاهة . [ سورة هود ( 11 ) : الآيات 92 إلى 93 ] قالَ يا قَوْمِ أَ رَهْطِي أَعَزُّ عَلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَاتَّخَذْتُمُوهُ وَراءَكُمْ ظِهْرِيًّا إِنَّ رَبِّي بِما تَعْمَلُونَ مُحِيطٌ ( 92 ) وَيا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكُمْ إِنِّي عامِلٌ سَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذابٌ يُخْزِيهِ وَمَنْ هُوَ كاذِبٌ وَارْتَقِبُوا إِنِّي مَعَكُمْ رَقِيبٌ ( 93 )