فخر الدين الرازي

376

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

الكرامات العالية الرفيعة وفي إظهار خوارق العادات وإحداث البينات والمعجزات ، فكيف يليق به التعجب . وأما قوله : أَهْلَ الْبَيْتِ فإنه مدح لهم فهو نصب على النداء أو على الاختصاص ، ثم أكدوا ذلك بقولهم : إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ والحميد هو المحمود وهو الذي تحمد أفعاله ، والمجيد الماجد ، وهو ذو الشرف والكرم ، ومن محامد الأفعال إيصال العبد المطيع إلى مراده ومطلوبه ، ومن أنواع الفضل والكرم أن لا يمنع الطالب عن مطلوبه ، فإذا كان من المعلوم أنه تعالى قادر على الكل وأنه حميد مجيد ، فكيف يبقى هذا التعجب في نفس الأمر فثبت أن المقصود من ذكر هذه الكلمات إزالة التعجب . [ سورة هود ( 11 ) : الآيات 74 إلى 75 ] فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْراهِيمَ الرَّوْعُ وَجاءَتْهُ الْبُشْرى يُجادِلُنا فِي قَوْمِ لُوطٍ ( 74 ) إِنَّ إِبْراهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُنِيبٌ ( 75 ) اعلم أن هذا هو القصة الخامسة وهي قصة لوط عليه السلام ، واعلم أن الروع هو الخوف / وهو ما أوجس من الخيفة حين أنكر أضيافه والمعنى : أنه لما زال الخوف وحصل السرور بسبب مجيء البشرى بحصول الولد ، أخذ يجادلنا في قوم لوط وجواب لما هو قوله : أخذ إلا أنه حذف في اللفظ لدلالة الكلام عليه ، وقيل تقديره : لما ذهب عن إبراهيم الروع جادلنا . واعلم أن قوله : يُجادِلُنا أي يجادل رسلنا . فإن قيل : هذه المجادلة إن كانت مع اللَّه تعالى فهي جراءة على اللَّه ، والجراءة على اللَّه تعالى من أعظم الذنوب ، ولأن المقصود من هذه المجادلة إزالة ذلك الحكم وذلك يدل على أنه ما كان راضيا بقضاء اللَّه تعالى وأنه كفر وإن كانت هذه المجادلة مع الملائكة فهي أيضا عجيبة ، لأن المقصود من هذه المجادلة أن يتركوا إهلاك قوم لوط ، فإن كان قد اعتقد فيهم أنهم من تلقاء أنفسهم يجادلون في هذا الإهلاك فهذا سوء ظن بهم . وإن اعتقد فيهم أنهم بأمر اللَّه جاءوا فهذه المجادلة تقتضي أنه كان يطلب منهم مخالفة أمر اللَّه تعالى وهذا منكر . والجواب : من وجهين : الوجه الأول : وهو الجواب الإجمالي أنه تعالى مدحه عقيب هذه الآية فقال : إِنَّ إِبْراهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُنِيبٌ ولو كان هذا الجدل من الذنوب لما ذكر عقيبه ما يدل على المدح العظيم . والوجه الثاني : وهو الجواب التفصيلي أن المراد من هذه المجادلة سعي إبراهيم في تأخير العذاب عنهم وتقريره من وجوه : الوجه الأول : أن الملائكة قالوا : إِنَّا مُهْلِكُوا أَهْلِ هذِهِ الْقَرْيَةِ فقال إبراهيم : أرأيتم لو كان فيها خمسون رجلا من المؤمنين أتهلكونها ؟ قالوا : لا . قال : فأربعون قالوا : لا . قال : فثلاثون قالوا لا . حتى بلغ العشرة قالوا : لا . قال : أرأيتم إن كان فيها رجل مسلم أتهلكونها ؟ قالوا : لا . فعند ذلك قال : إن فيها لوطا وقد ذكر اللَّه تعالى هذا في سورة العنكبوت فقال : وَلَمَّا جاءَتْ رُسُلُنا إِبْراهِيمَ بِالْبُشْرى قالُوا إِنَّا مُهْلِكُوا أَهْلِ هذِهِ الْقَرْيَةِ إِنَّ أَهْلَها كانُوا ظالِمِينَ * قالَ إِنَّ فِيها لُوطاً قالُوا نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَنْ فِيها لَنُنَجِّيَنَّهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ كانَتْ مِنَ الْغابِرِينَ [ العنكبوت : 31 ، 32 ] . ثم قال : وَلَمَّا أَنْ جاءَتْ رُسُلُنا لُوطاً سِيءَ بِهِمْ وَضاقَ بِهِمْ ذَرْعاً وَقالُوا لا تَخَفْ وَلا تَحْزَنْ إِنَّا مُنَجُّوكَ