فخر الدين الرازي

373

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

عليكم فيعرى قوله : سلام عن الألف واللام والتنوين ، والسبب في ذلك كثرة الاستعمال أباح هذا التخفيف ، واللَّه أعلم . ثم قال تعالى : فَما لَبِثَ أَنْ جاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ قالوا : مكث إبراهيم خمس عشرة ليلة لا يأتيه ضيف فاغتم لذلك ، ثم جاءه الملائكة فرأى أضيافا لم ير مثلهم ، فعجل وجاء بعجل حنيذ ، فقوله : فَما لَبِثَ أَنْ جاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ معناه : فلما لبث في المجيء به بل عجل فيه ، أو التقدير : فما لبث مجيئه والعجل ولد البقرة . أما الحنيذ : فهو الذي يشوى في حفرة من الأرض بالحجارة المحماة ، وهو من فعل أهل البادية معروف ، وهو محنوذ في الأصل كما قيل : طبيخ ومطبوخ ، وقيل : الحنيذ الذي يقطر دسمه . يقال : حنذت الفرس إذا ألقيت عليه الجل حتى تقطر عرقا . ثم قال تعالى : فَلَمَّا رَأى أَيْدِيَهُمْ لا تَصِلُ إِلَيْهِ إلى قوله إِلى قَوْمِ لُوطٍ أي إلى العجل ، وقال الفراء : إلى الطعام ، وهو ذلك العجل نَكِرَهُمْ أي أنكرهم . يقال : نكره وأنكره واستنكره . واعلم أن الأضياف إنما امتنعوا من الطعام لأنهم ملائكة والملائكة لا يأكلون ولا يشربون ، وإنما أتوه في صورة الأضياف ليكونوا على صفة يحبها ، وهو كان مشغوفا بالضيافة . وأما إبراهيم عليه السلام . فنقول : إما أن يقال : إنه عليه السلام ما كان يعلم أنهم ملائكة ، بل كان يعتقد فيهم أنهم من البشر ، أو يقال : إنه كان عالما بأنهم من الملائكة . أما على الاحتمال الأول فسبب خوفه أمران : أحدهما : أنه كان ينزل في طرف من الأرض بعيد عن الناس ، فلما امتنعوا من الأكل خاف أن يريدوا به مكروها ، وثانيها : أن من لا يعرف إذا حضر وقدم إليه طعام فإن أكل حصل الأمن وإن لم يأكل حصل الخوف . وأما الاحتمال الثاني : وهو أنه عرف أنهم ملائكة اللَّه تعالى ، / فسبب خوفه على هذا التقدير أيضا أمران : أحدها : أنه خاف أن يكون نزولهم لأمر أنكره اللَّه تعالى عليه : والثاني : أنه خاف أن يكون نزولهم لتعذيب قومه . فإن قيل : فأي هذين الاحتمالين أقرب وأظهر ؟ قلنا : أما الذي يقول إنه ما عرف أنهم ملائكة اللَّه تعالى فله أن يحتج بأمور : أحدها : أنه تسارع إلى إحضار الطعام ، ولو عرف كونهم من الملائكة لما فعل ذلك . وثانيها : أنه لما رآهم ممتنعين من الأكل خافهم ، ولو عرف كونهم من الملائكة لما استدل بترك الأكل على حصول الشر ، وثالثها : أنه رآهم في أول الأمر في صورة البشر ، وذلك لا يدل على كونهم من الملائكة . وأما الذي يقول : إنه عرف ذلك احتج بقوله : لا تَخَفْ إِنَّا أُرْسِلْنا إِلى قَوْمِ لُوطٍ وإنما يقال هذا لمن عرفهم ولم يعرف بأي سبب أرسلوا ، ثم بين تعالى أن الملائكة أزالوا ذلك الخوف عنه فقالوا : لا تَخَفْ إِنَّا أُرْسِلْنا إِلى قَوْمِ لُوطٍ ومعناه : أرسلنا بالعذاب إلى قوم لوط ، لأنه أضمر لقيام الدليل عليه في سورة أخرى ، وهو قوله : إِنَّا أُرْسِلْنا إِلى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ * لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجارَةً [ الذاريات : 32 ، 33 ] . ثم قال تعالى : وَامْرَأَتُهُ قائِمَةٌ يعني سارة بنت آزر بن باحورا بنت عم إبراهيم عليه السلام ، وقوله : قائِمَةٌ قيل : كانت قائمة من وراء الستر تستمع إلى الرسل ، لأنها ربما خافت أيضا . وقيل : كانت قائمة تخدم الأضياف وإبراهيم عليه السلام جالس معهم ، ويأكد هذا التأويل قراءة ابن مسعود وَامْرَأَتُهُ قائِمَةٌ وهو قاعد . ثم قال تعالى : فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْناها بِإِسْحاقَ واختلفوا في الضحك على قولين : منهم من حمله على