فخر الدين الرازي

460

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

ذواتها وصفاتها مفتقرة إلى موجد ومبدع قاهر قادر عليم حكيم ، فذلك الشخص يكون في غاية الندرة ، فلهذا قال : وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ . [ سورة يوسف ( 12 ) : آية 41 ] يا صاحِبَيِ السِّجْنِ أَمَّا أَحَدُكُما فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْراً وَأَمَّا الْآخَرُ فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْ رَأْسِهِ قُضِيَ الْأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيانِ ( 41 ) اعلم أنه عليه السلام لما قرر أمر التوحيد والنبوة عاد إلى الجواب عن السؤال الذي ذكراه ، والمعنى ظاهر ، وذلك لأن الساقي لما قص رؤياه على يوسف ، وقد ذكرنا كيف قص عليه قال له يوسف : ما أحسن ما رأيت أما حسن العنبة فهو حسن حالك ، وأما الأغصان الثلاثة فثلاثة أيام يوجه إليك الملك عند انقضائهن فيردك إلى عملك فتصير كما كنت بل أحسن ، وقال للخباز : لما قص / عليه بئسما رأيت السلال الثلاث ثلاثة أيام يوجه إليك الملك عند انقضائهن فيصلبك وتأكل الطير من رأسك ، ثم نقل في التفسير أنهما قالا ما رأينا شيئا فقال : قُضِيَ الْأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيانِ واختلف فيما لأجله قالا ما رأينا شيئا فقيل إنهما وضعا هذا الكلام ليختبرا علمه بالتعبير مع أنهما ما رأيا شيئا وقيل : إنهما لما كرها ذلك الجواب قالا ما رأينا شيئا . فإن قيل : هذا الجواب الذي ذكره يوسف عليه السلام ذكره بناء على الوحي من قبل اللَّه تعالى أو بناء على علم التعبير ، والأول باطل لأن ابن عباس رضي اللَّه تعالى عنهما نقل أنه إنما ذكره على سبيل التعبير ، وأيضا قال تعالى : وَقالَ لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ ناجٍ مِنْهُمَا [ يوسف : 42 ] ولو كان ذلك التعبير مبنيا على الوحي لكان الحاصل منه القطع واليقين لا الظن والتخمين ، والثاني : أيضا باطل لأن علم التعبير مبنى على الظن والحسبان . الجواب : لا يبعد أن يقال : إنهما لما سألاه عن ذلك المنام صدقا فيه أو كذبا فإن اللَّه تعالى أوحى إليه أن عاقبة كل وأحد منهما تكون على الوجه المخصوص ، فلما نزل الوحي بذلك الغيب عند ذلك السؤال وقع في الظن أنه ذكره على سبيل التعبير ، ولا يبعد أيضا أن يقال : إنه بنى ذلك الجواب على علم التعبير ، وقوله : قُضِيَ الْأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيانِ ما عنى به أن الذي ذكره واقع لا محالة بل عنى به أنه حكمه في تعبير ما سألاه عنه ذلك الذي ذكره . [ سورة يوسف ( 12 ) : آية 42 ] وَقالَ لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ ناجٍ مِنْهُمَا اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ فَأَنْساهُ الشَّيْطانُ ذِكْرَ رَبِّهِ فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ ( 42 ) فيه مسائل : المسألة الأولى : اختلفوا في أن الموصوف بالظن هو يوسف عليه السلام أو الناجي فعلى الأول كان المعنى وقال الرجل الذي ظن يوسف عليه السلام كونه ناجيا ، وعلى هذا القول ففيه وجهان : الأول : أن تحمل هذا الظن على العلم واليقين ، وهذا إذا قلنا بأنه عليه السلام إنما ذكر ذلك التعبير بناء على الوحي . قال هذا القائل وورود لفظ الظن بمعنى اليقين كثير في القرآن . قال تعالى : الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُوا رَبِّهِمْ [ البقرة : 46 ] وقال : إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلاقٍ حِسابِيَهْ [ الحاقة : 20 ] والثاني : أن تحمل هذا الظن على حقيقة / الظن ، وهذا