فخر الدين الرازي

456

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

عَلَّمَنِي رَبِّي وفي قوله : وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبائِي ما يدل على ذلك . ثم قال تعالى : ذلِكُما مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي أي لست أخبركما على جهة الكهانة والنجوم ، وإنما أخبرتكما بوحي من اللَّه وعلم حصل بتعليم اللَّه . ثم قال : إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كافِرُونَ وفيه مسائل : المسألة الأولى : لقائل أن يقول : في قوله : إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ توهم أنه عليه السلام كان في هذه الملة . فنقول جوابه من وجوه : الأول : أن الترك عبارة عن عدم التعرض للشيء وليس من شرطه أن يكون قد كان خائضا فيه . والثاني : وهو الأصح أن يقال إنه عليه السلام كان عبدا لهم بحسب زعمهم واعتقادهم الفاسد ، ولعله قبل ذلك كان لا يظهر التوحيد والإيمان خوفا منهم على سبيل التقية ، ثم إنه أظهره في هذا الوقت ، فكان هذا جاريا مجرى ترك ملة أولئك الكفرة بحسب الظاهر . المسألة الثانية : تكرير لفظ ( هم ) في قوله : وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كافِرُونَ لبيان اختصاصهم بالكفر ، ولعل إنكارهم للمعاد كان أشد من إنكارهم للمبدأ ، فلأجل مبالغتهم في إنكار المعاد كرر هذا اللفظ للتأكيد . واعلم أن قوله : إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ إشارة إلى علم المبدأ . وقوله : وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كافِرُونَ إشارة إلى علم المعاد ، ومن تأمل في القرآن المجيد وتفكر في كيفية دعوة الأنبياء عليهم السلام علم أن المقصود من إرسال الرسل وإنزال الكتب صرف الخلق إلى الإقرار بالتوحيد وبالمبدأ والمعاد ، وإن ما وراء ذلك عبث . ثم قال تعالى : وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبائِي إِبْراهِيمَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وفيه سؤالات : السؤال الأول : ما الفائدة في ذكر هذا الكلام . الجواب : أنه عليه السلام لما ادعى النبوة وتحدى بالمعجزة وهو علم الغيب قرن به كونه من أهل بيت النبوة ، وأن أباه وجده وجد أبيه كانوا أنبياء اللَّه ورسله ، فإن الإنسان متى ادعى حرفة / أبيه وجده لم يستبعد ذلك منه ، وأيضا فكما أن درجة إبراهيم عليه السلام وإسحاق ويعقوب كان أمرا مشهورا في الدنيا ، فإذا ظهر أنه ولدهم عظموه ونظروا إليه بعين الإجلال ، فكان انقيادهم له أتم وتأثر قلوبهم بكلامه أكمل . السؤال الثاني : لما كان نبيا فكيف قال : إني اتبعت ملة آبائي ، والنبي لا بد وأن يكون مختصا بشريعة نفسه . قلنا : لعل مراده التوحيد الذي لم يتغير ، وأيضا لعله كان رسولا من عند اللَّه ، إلا أنه كان على شريعة إبراهيم عليه السلام . السؤال الثالث : لم قال : ما كانَ لَنا أَنْ نُشْرِكَ بِاللَّهِ مِنْ شَيْءٍ وحال كل المكلفين كذلك ؟ والجواب : ليس المراد بقوله : ما كانَ لَنا أنه حرم ذلك عليهم ، بل المراد أنه تعالى ظهر آباءه عن الكفر ، ونظيره قوله : ما كانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ [ مريم : 35 ] . السؤال الرابع : ما الفائدة في قوله : مِنْ شَيْءٍ . الجواب : أن أصناف الشرك كثيرة ، فمنهم من يعبد الأصنام ، ومنهم من يعبد النار ، ومنهم من يعبد