فخر الدين الرازي

279

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

الدنيا بقوله : وَلا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ إِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً فإذا كان اللَّه تعالى هو الذي أرسله إلى الخلق وهو الذي أمره بدعوتهم إلى هذا الدين كان لا محالة ناصرا له ومعينا ، ولما ثبت أن العزة والقهر والغلبة ليست إلا له ، فقد حصل الأمن وزال الخوف . فإن قيل : فكيف آمنه من ذلك ولم يزل خائفا حتى احتاج إلى الهجرة والهرب ، ثم من بعد ذلك يخاف حالا بعد حال ؟ قلنا : إن اللَّه تعالى وعده الظفر والنصرة مطلقا والوقت ما كان معينا ، فهو في كل وقت كان يخاف من أن لا يكون هذا الوقت المعين ذلك الوقت ، فحينئذ يحصل الانكسار والانهزام في هذا الوقت . وأما قوله تعالى : إِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً ففيه أبحاث : البحث الأول : قال القاضي : إن العزة بالألف المكسورة وفي فتحها فساد يقارب الكفر لأنه يؤدي إلى أن القوم كانوا يقولون : إِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً وأن الرسول عليه الصلاة والسلام كان يحزنه ذلك . أما إذا كسرت الألف كان ذلك استئنافا ، وهذا يدل على فضيلة علم الإعراب . قال صاحب « الكشاف » : وقرأ أبو حيوة أن العزة بالفتح على حذف لام العلة يعني : لأن العزة على صريح التعليل . البحث الثاني : فائدة إِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ في هذا المقام أمور : الأول : المراد منه أن جميع العزة والقدرة هي للَّه تعالى يعطي ما يشاء لعباده ، والغرض منه أنه لا يعطي الكفار قدرة عليه ، بل يعطيه القدرة عليهم حتى يكون هو بذلك أعز منهم ، فآمنه اللَّه تعالى بهذا القول من إضرار الكفار به بالقتل والإيذاء ، ومثله قوله تعالى : كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي [ المجادلة : 21 ] إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنا [ غافر : 51 ] الثاني : قال الأصم : المراد أن المشركين يتعززون بكثرة خدمهم وأموالهم ويخوفونك بها وتلك الأشياء كلها للَّه تعالى فهو القادر على أن يسلب منهم كل تلك الأشياء وأن ينصرك وينقل أموالهم وديارهم إليك . فإن قيل : قوله : إِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً كالمضادة لقوله تعالى : وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ [ المنافقون : 8 ] . قلنا : لا مضادة ، لأن عزة الرسول والمؤمنين كلها باللَّه فهي للَّه . أما قوله : هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ أي يسمع ما يقولون ويعلم ما يعزمون عليه وهو يكافئهم بذلك . وأما قوله : أَلا إِنَّ لِلَّهِ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ ففيه وجهان : الأول : أنه تعالى ذكر في الآيات المتقدمة أَلا إِنَّ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ [ يونس : 55 ] وهذا يدل على أن كل ما لا يعقل فهو ملك للَّه تعالى وملك له ، وأما هاهنا فكلمة ( من ) مختصة بمن يعقل ، فتدل على أن كل العقلاء داخلون تحت ملك اللَّه وملكه فيكون مجموع الآيتين دالا على أن الكل ملكه وملكه . والثاني : أن المراد مَنْ فِي السَّماواتِ العقلاء المميزون وهم الملائكة والثقلان وإنما خصهم بالذكر ليدل على أن / هؤلاء إذا كانوا له وفي ملكه فالجمادات أولى بهذه العبودية فيكون ذلك قدحا في جعل الأصنام شركاء للَّه تعالى . ثم قال تعالى : وَما يَتَّبِعُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ شُرَكاءَ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وفي كلمة ( ما ) قولان : الأول : أنه نفي وجحد ، والمعنى أنهم ما اتبعوا شريك اللَّه تعالى إنما اتبعوا شيئا ظنوه شريكا للَّه تعالى . ومثاله أن أحدنا لو ظن أن زيدا في الدار وما كان فيها ، فخاطب إنسانا في الدار ظنه زيدا فإنه لا يقال : إنه خاطب زيدا