فخر الدين الرازي

275

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

منه الرد على من يقول : إنه تعالى غير عالم بالجزئيات ، وهو المراد من قوله : إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ [ الجاثية : 29 ] . والوجه الثاني : في الجواب أن نجعل كلمة ( إلا ) في قوله : إِلَّا فِي كِتابٍ مُبِينٍ استثناء منقطعا لكن بمعنى هو في كتاب مبين ، وذكر أبو علي الجرجاني صاحب « النظم » عنه جوابا آخر فقال : قوله : وَما يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّماءِ وَلا أَصْغَرَ مِنْ ذلِكَ وَلا أَكْبَرَ هاهنا تم الكلام وانقطع ثم وقع الابتداء بكلام آخر ، وهو قوله : إِلَّا فِي كِتابٍ مُبِينٍ أي وهو أيضا في كتاب مبين . قال : والعرب تضع « إلا » موضع « وأو النسق » كثيرا على معنى الابتداء ، كقوله تعالى : لا يَخافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ إِلَّا مَنْ ظَلَمَ [ النمل : 10 ] يعني ومن ظلم . وقوله : لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا [ البقرة : 150 ] يعني والذين ظلموا ، وهذا الوجه في غاية التعسف . وأجاب صاحب « الكشاف » : بوجه رابع فقال : الإشكال إنما جاء إذا عطفنا قوله : وَلا أَصْغَرَ مِنْ ذلِكَ وَلا أَكْبَرَ على قوله : مِنْ مِثْقالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّماءِ إما بحسب الظاهر أو بحسب المحل ، لكنا لا نقول ذلك ، بل نقول : الوجه في القراءة بالنصب في قوله : وَلا أَصْغَرَ مِنْ ذلِكَ الحمل / على نفي الجنس وفي القراءة بالرفع الحمل على الابتداء ، وخبره قوله : فِي كِتابٍ مُبِينٍ وهذا الوجه اختيار الزجاج . [ سورة يونس ( 10 ) : الآيات 62 إلى 64 ] أَلا إِنَّ أَوْلِياءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ ( 62 ) الَّذِينَ آمَنُوا وَكانُوا يَتَّقُونَ ( 63 ) لَهُمُ الْبُشْرى فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَفِي الْآخِرَةِ لا تَبْدِيلَ لِكَلِماتِ اللَّهِ ذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ( 64 ) [ في قوله تعالى أَلا إِنَّ أَوْلِياءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ ] اعلم أنا بينا أن قوله تعالى : وَما تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَما تَتْلُوا مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ [ يونس : 61 ] مما يقوي قلوب المطيعين ، ومما يكسر قلوب الفاسقين فأتبعه اللَّه تعالى بشرح أحوال المخلصين الصادقين الصديقين وهو المذكور في هذه الآية . وفيه مسائل : المسألة الأولى : اعلم أنا نحتاج في تفسير هذه الآية إلى أن نبين أن الولي من هو ؟ ثم نبين تفسير نفي الخوف والحزن عنه فنقول : أما إن الوحي من هو ؟ فيدل عليه القرآن والخبر والأثر والمعقول . أما القرآن ، فهو قوله في هذه الآية : الَّذِينَ آمَنُوا وَكانُوا يَتَّقُونَ فقوله : آمَنُوا إشارة إلى كمال حال القوة النظرية وقوله : وَكانُوا يَتَّقُونَ إشارة إلى كمال حال القوة العملية . وفيه قيام آخر ، وهو أن يحمل الإيمان على مجموع الاعتقاد والعمل ، ثم نصف الولي بأنه كان متقيا في الكل . أما التقوى في موقف العلم فلأن جلال اللَّه أعلى من أن يحيط به عقل البشر ، فالصديق إذا وصف اللَّه سبحانه بصفة من صفات الجلال ، فهو يقدس اللَّه عن أن يكون كماله وجلاله مقتصرا على ذلك المقدار الذي عرفه ووصفه به ، وإذا عبد اللَّه تعالى فهو يقدس اللَّه تعالى عن أن تكون الخدمة اللائقة بكبريائه متقدرة بذلك المقدار فثبت أنه أبدا يكون في مقام الخوف والتقوى . وأما الأخبار فكثيرة روى عمر رضي اللَّه عنه أن النبي صلى اللَّه عليه وسلم قال : « هم قوم تحابوا في اللَّه على غير أرحام بينهم ولا أموال يتعاطونها ، فو اللَّه إن وجوههم لنور ، وإنهم لعلى منابر من نور لا يخافون إذا خاف الناس ، ولا يحزنون إذا حزن الناس » ثم قرأ هذه الآية ، و عن النبي صلى اللَّه عليه وسلم أنه قال : « هم الذين يذكر اللَّه تعالى برؤيتهم » قال أهل التحقيق : السبب