فخر الدين الرازي
249
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
يقول الأمر كذلك ، كان هذا تنبيها على أن هذا الكلام بلغ في الوضوح إلى حيث لا حاجة فيه إلى إقرار الخصم به ، وأنه سواء أقر أو أنكر ، فالأمر متقرر ظاهر . أما قوله : فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ فالمراد التعجب منهم في الذهاب عن هذا الأمر الواضح الذي دعاهم الهوى والتقليد أو الشبهة الضعيفة إلى مخالفته ، لأن الإخبار عن كون الأوثان آلهة كذب وإفك ، والاشتغال بعبادتها مع أنها لا تستحق هذه العبادة يشبه الإفك . [ سورة يونس ( 10 ) : الآيات 35 إلى 36 ] قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكائِكُمْ مَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ قُلِ اللَّهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ أَ فَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لا يَهِدِّي إِلاَّ أَنْ يُهْدى فَما لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ ( 35 ) وَما يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلاَّ ظَنًّا إِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِما يَفْعَلُونَ ( 36 ) وفي الآية مسائل : [ في قوله تعالى قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكائِكُمْ مَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ إلى قوله كَيْفَ تَحْكُمُونَ ] المسألة الأولى : اعلم أن هذا هو الحجة الثالثة ، واعلم أن الاستدلال على وجود الصانع بالخلق أولا ، ثم بالهداية ثانيا ، عادة مطردة في القرآن ، فحكى تعالى عن الخليل عليه السلام أنه ذكر ذلك / فقال : الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ [ الشعراء : 78 ] وعن موسى عليه السلام أنه ذكر ذلك فقال : رَبُّنَا الَّذِي أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى [ طه : 50 ] وأمر محمدا صلى اللَّه عليه وسلم بذلك فقال : سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدى [ الأعلى : 1 - 3 ] وهو في الحقيقة دليل شريف ، لأن الإنسان له جسد وله روح ، فالاستدلال على وجود الصانع بأحوال الجسد هو الخلق ، والاستدلال بأحوال الروح هو الهداية فههنا أيضا لما ذكر دليل الخلق في الآية الأولى ، وهو قوله : أَمَّنْ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ [ النمل : 64 ] أتبعه بدليل الهداية في هذه الآية . واعلم أن المقصود من خلق الجسد حصول الهداية للروح ، كما قال تعالى : وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئاً وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ [ النحل : 78 ] وهذا كالتصريح بأنه تعالى إنما خلق الجسد ، وإنما أعطى الحواس لتكون آلة في اكتساب المعارف والعلوم ، وأيضا فالأحوال الجسدية خسيسة يرجع حاصلها إلى الالتذاذ بذوق شيء من الطعوم أو لمس شيء من الكيفيات الملموسة ، أما الأحوال الروحانية والمعارف الإلهية ، فإنها كمالات باقية أبد الآباد مصونة عن الكون والفساد ، فعلمنا أن الخلق تبع للهداية ، والمقصود الأشرف الأعلى حصول الهداية . إذا ثبت هذا فنقول : العقول مضطربة والحق صعب ، والأفكار مختلطة ، ولم يسلم من الغلط إلا الأقلون ، فوجب أن الهداية وإدراك الحق لا يكون إلا بإعانة اللَّه سبحانه وتعالى وهدايته وإرشاده ، ولصعوبة هذا الأمر قال الكليم عليه السلام بعد استماع الكلام القديم رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي [ طه : 25 ] وكل الخلق يطلبون الهداية ويحترزون عن الضلالة ، مع أن الأكثرين وقعوا في الضلالة ، وكل ذلك يدل على أن حصول الهداية والعلم والمعرفة ليس إلا من اللَّه تعالى . إذا عرفت هذا فنقول : الهداية إما أن تكون عبارة عن الدعوة إلى الحق ، وإما أن تكون عبارة عن تحصيل تلك المعرفة وعلى التقديرين فقد دللنا على أنها أشرف المراتب البشرية وأعلى السعادات الحقيقية ، ودللنا على أنها ليست إلا من اللَّه تعالى . وأما الأصنام فإنها جمادات لا تأثير لها في الدعوة إلى الحق ولا في الإرشاد إلى