فخر الدين الرازي
242
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
[ سورة يونس ( 10 ) : آية 27 ] وَالَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئاتِ جَزاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِها وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ ما لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عاصِمٍ كَأَنَّما أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ قِطَعاً مِنَ اللَّيْلِ مُظْلِماً أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ ( 27 ) [ في قوله تعالى وَالَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئاتِ جَزاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِها ] في الآية مسائل : المسألة الأولى : اعلم أنه كما شرح حال المسلمين في الآية المتقدمة ، شرح حال من أقدم على السيئات في هذه الآية ، وذكر تعالى من أحوالهم أمورا أربعة أولها : قوله : جَزاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِها والمقصود من هذا القيد التنبيه على الفرق بين الحسنات وبين السيئات ، لأنه تعالى ذكر في أعمال البر أنه يوصل إلى المشتغلين بها الثواب مع الزيادة وأما في عمل السيئات ، فإنه تعالى ذكر أنه لا يجازي / إلا بالمثل ، والفرق هو أن الزيادة على الثواب تكون تفضلا وذلك حسن ، ويكون فيه تأكيد للترغيب في الطاعة ، وأما الزيادة على قدر الاستحقاق في عمل السيئات ، فهو ظلم ، ولو فعله لبطل الوعد والوعيد والترهيب والتحذير ، لأن الثقة بذلك إنما تحصل إذا ثبتت حكمته ، ولو فعل الظلم لبطلت حكمته تعالى اللَّه عن ذلك ، هكذا قرره القاضي تفريعا على مذهبه . وثانيها : قوله : وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ وذلك كناية عن الهوان والتحقير ، واعلم أن الكمال محبوب لذاته ، والنقصان مكروه لذاته ، فالإنسان الناقص إذا مات بقيت روحه ناقصة خالية عن الكمالات ، فيكون شعوره بكونه ناقصا ، سببا لحصول الذلة والمهانة والخزي والنكال . وثالثها : قوله : ما لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عاصِمٍ واعلم أنه لا عاصم من اللَّه لا في الدنيا ولا في الآخرة ، فإن قضاءه محيط بجميع الكائنات ، وقدره نافذ في كل المحدثات إلا أن الغالب على الطباع العاصية ، أنهم في الحياة العاجلة مشتغلون بأعمالهم ومراداتهم أما بعد الموت فكل أحد يقر بأنه ليس له من اللَّه من عاصم . ورابعها : قوله : كَأَنَّما أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ قِطَعاً مِنَ اللَّيْلِ مُظْلِماً والمراد من هذا الكلام إثبات ما نفاه عن السعداء حيث قال : وَلا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلا ذِلَّةٌ [ يونس : 26 ] . واعلم أن حكماء الإسلام قالوا : المراد من هذا السواد المذكور هاهنا سواد الجهل وظلمة الضلالة ، فإن العلم طبعه طبع النور ، والجهل طبعه طبع الظلمة ، فقوله : وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ ضاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ [ عبس : 39 ] المراد منه نور العلم ، وروحه وبشره وبشارته ، وقوله : وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْها غَبَرَةٌ تَرْهَقُها قَتَرَةٌ [ عبس : 40 ] المراد منه ظلمة الجهل وكدورة الضلالة . المسألة الثانية : قوله : وَالَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئاتِ فيه وجهان : أحدهما : أن يكون معطوفا على قوله : لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا [ يونس : 26 ] كأنه قيل : للذين أحسنوا الحسنى وللذين كسبوا السيئات جزاء سيئة بمثلها والثاني : أن يكون التقدير وجزاء الذين كسبوا السيئات جزاء سيئة بمثلها على معنى أن جزاءهم أن يجازي سيئة واحدة بسيئة مثلها لا يزاد عليها ، وهذا يدل على أن حكم اللَّه في حق المحسنين ليس إلا بالفضل ، وفي حق المسيئين ليس إلا بالعدل . المسألة الثالثة : قال بعضهم : المراد بقوله : وَالَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئاتِ الكفار واحتجوا عليه بأن سواد الوجه من علامات الكفر ، بدليل قوله تعالى : فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمانِكُمْ [ آل عمران : 106 ] وكذلك قوله : وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْها غَبَرَةٌ * تَرْهَقُها قَتَرَةٌ * أُولئِكَ هُمُ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ [ عبس : 40 - 42 ] ولأنه تعالى قال بعد هذه الآية وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً [ يونس : 28 ] والضمير في قوله : ( هم ) عائد إلى هؤلاء ، ثم إنه تعالى