فخر الدين الرازي
233
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
واعتاده من العقائد الباطلة والأخلاق الذميمة ، فظهر أنه لا يمكن تقرير ذلك المعنى الكلي المذكور في الآية المتقدمة بمثال أحسن وأكمل من المثال المذكور في هذه الآية . المسألة الثانية : يحكى أن واحدا قال لجعفر الصادق : اذكر لي دليلا على إثبات الصانع فقال : أخبرني عن حرفتك : فقال : أنا رجل أتجر في البحر ، فقال : صف لي كيفية حالك فقال : ركبت البحر فانكسرت السفينة وبقيت على لوح واحد من ألواحها ، وجاءت الرياح العاصفة ، فقال / جعفر : هل وجدت في قلبك تضرعا ودعاء فقال نعم فقال جعفر : فإلهك هو الذي تضرعت إليه في ذلك الوقت . المسألة الثالثة : قرأ ابن عامر ينشركم من النشر الذي هو خلاف الطي كأنه أخذه من قوله تعالى : فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ [ الجمعة : 10 ] والباقون قرءوا يُسَيِّرُكُمْ من التسيير . المسألة الرابعة : احتج أصحابنا بهذه الآية على أن فعل العبد يجب أن يكون خلقا للَّه تعالى قالوا : دلت هذه الآية على أن سير العباد من اللَّه تعالى ، ودل قوله تعالى : قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ * [ الأنعام : 11 ] على أن سيرهم منهم ، وهذا يدل على أن سيرهم منهم ومن اللَّه ، فيكون كسبيا لهم وخلقا للَّه ونظيره قوله تعالى : كَما أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ [ الأنفال : 5 ] وقال في آية أخرى : إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا [ التوبة : 40 ] وقال في آية أخرى : فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا وَلْيَبْكُوا كَثِيراً [ التوبة : 82 ] ثم قال في آية أخرى وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكى [ النجم : 43 ] وقال في آية أخرى وَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ رَمى [ الأنفال : 7 ] قال الجبائي : أما كونه تعالى مسيرا لهم في البحر على الحقيقة فالأمر كذلك وأما سيرهم في البر فإنما أضيف إلى اللَّه تعالى على التوسع فما كان منه طاعة فبأمره وتسهيله ، وما كان منه معصية فلأنه تعالى هو الذي أقدره عليه وزاد القاضي فيه يجوز أن يضاف ذلك إليه تعالى من حيث إنه تعالى سخر لهم المركب في البر ، وسخر لهم الأرض التي يتصرفون عليها بإمساكه لها ، لأنه تعالى لو لم يفعل ذلك لتعذر عليهم السير . وقال القفال : هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ أي هو اللَّه الهادي لكم إلى السير في البر والبحر طلبا للمعاش لكم ، وهو المسير لكم ، لأجل أنه هيأ لكم أسباب ذلك السير هذا جملة ما قيل في الجواب عنه ونحن نقول : لا شك أن المسير في البحر هو اللَّه تعالى ، لأن اللَّه تعالى هو المحدث لتلك الحركات في أجزاء السفينة ، ولا شك أن إضافة الفعل إلى الفاعل هو الحقيقة فنقول : وجب أيضا أن يكون مسيرا لهم في البر بهذا التفسير ، إذ لو كان مسيرا لهم في البر بمعنى إعطاء الآلات والأدوات لكان مجازا بهذا الوجه ، فيلزم كون اللفظ الواحد حقيقة ومجازا دفعة واحدة ، وذلك باطل . واعلم أن مذهب الجبائي أنه لامتناع في كون اللفظ حقيقة ومجازا بالنسبة إلى المعنى الواحد . وأما أبو هاشم فإنه يقول : إن ذلك ممتنع ، إلا أنه يقول : لا يبعد أن يقال إنه تعالى تكلم به مرتين . واعلم أن قول الجبائي : قد أبطلناه في أصول الفقه ، وقول أبي هاشم أنه تعالى تكلم به مرتين أيضا بعيد لأن هذا قول لم يقل به أحد من الأمة ممن كانوا قبله ، فكان هذا على خلاف الإجماع فيكون باطلا . واعلم أنه بقي في هذه الآية سؤالات : السؤال الأول : كيف جعل الكون في الفلك غاية للتسيير في البحر ، مع أن الكون في الفلك متقدم لا محالة على التسيير في البحر ؟