فخر الدين الرازي
230
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
اختلافهم ، بما يمتاز المحق من المبطل والمصيب من المخطئ الثالث : أن تلك الكلمة هي قوله : « سبقت رحمتي غضبي » فلما كانت رحمته غالبة اقتضت تلك الرحمة الغالبة إسبال الستر على الجاهل الضال وإمهاله إلى وقت الوجدان . [ سورة يونس ( 10 ) : آية 20 ] وَيَقُولُونَ لَوْ لا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَقُلْ إِنَّمَا الْغَيْبُ لِلَّهِ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ ( 20 ) اعلم أن هذا الكلام هو النوع الرابع من شبهات القوم في إنكارهم نبوته ، وذلك أنهم قالوا : إن القرآن الذي جئتنا به كتاب مشتمل على أنواع من الكلمات ، والكتاب لا يكون معجزا ، ألا ترى أن كتاب موسى وعيسى ما كان معجزة لهما ، بل كان لهما أنواع من المعجزات دلت على نبوتهما / سوى الكتاب . وأيضا فقد كان فيهم من يدعي إمكان المعارضة ، كما أخبر اللَّه تعالى أنهم قالوا : لَوْ نَشاءُ لَقُلْنا مِثْلَ هذا [ الأنفال : 31 ] وإذا كان الأمر كذلك لا جرم طلبوا منه شيئا آخر سوى القرآن ، ليكون معجزة له ، فحكى اللَّه تعالى عنهم ذلك بقوله : وَيَقُولُونَ لَوْ لا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ فأمر اللَّه رسوله عليه الصلاة والسلام أن يقول عند هذا السؤال إِنَّمَا الْغَيْبُ لِلَّهِ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ . واعلم أن الوجه في تقرير هذا الجواب أن يقال : أقام الدلالة القاهرة على أن ظهور القرآن عليه معجزة قاهرة ظاهرة . لأنه عليه الصلاة والسلام بين أنه نشأ فيما بينهم وتربى عندهم ، وهم علموا أنه لم يطالع كتابا ، ولم يتلمذ لأستاذ . بل كان مدة أربعين سنة معهم ومخالطا لهم ، وما كان مشتغلا بالفكر والتعلم قط ، ثم إنه دفعة واحدة ظهر هذا القرآن العظيم عليه ، وظهور مثل هذا الكتاب الشريف العالي ، على مثل ذلك الإنسان الذي لم يتفق له شيء من أسباب التعلم ، لا يكون إلا بالوحي . فهذا برهان قاهر على أن القرآن معجز قاهر ظاهر ، وإذا ثبت هذا كان طلب آية أخرى سوى القرآن من الاقتراحات التي لا حاجة إليها في إثبات نبوته عليه الصلاة والسلام ، وتقرير رسالته ، ومثل هذا يكون مفوضا إلى مشيئة اللَّه تعالى ، فإن شاء أظهرها ، وإن شاء لم يظهرها ، فكان ذلك من باب الغيب ، فوجب على كل أحد أن ينتظر أنه هل يفعله اللَّه أم لا ؟ ولكن سواء فعل أو لم يفعل ، فقد ثبتت النبوة ، وظهر صدقه في ادعاء الرسالة ، ولا يختلف هذا المقصود بحصول تلك الزيادة وبعدمها ، فظهر أن هذا الوجه جواب ظاهر في تقرير هذا المطلوب . [ سورة يونس ( 10 ) : آية 21 ] وَإِذا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُمْ إِذا لَهُمْ مَكْرٌ فِي آياتِنا قُلِ اللَّهُ أَسْرَعُ مَكْراً إِنَّ رُسُلَنا يَكْتُبُونَ ما تَمْكُرُونَ ( 21 ) في الآية مسائل : المسألة الأولى : اعلم أن القوم لما طلبوا من رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم آية أخرى سوى القرآن ، وأجاب الجواب الذي قررناه وهو قوله : إِنَّمَا الْغَيْبُ لِلَّهِ [ يونس : 20 ] ذكر جوابا آخر وهو المذكور في هذه الآية ، وتقريره من وجهين : الوجه الأول : أنه تعالى بين في هذه الآية أن عادة هؤلاء الأقوام المكر واللجاج والعناد / وعدم