فخر الدين الرازي
228
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
ما علم اللَّه هذا مني ، ومقصوده أنه ما حصل ذلك قط ، وقرئ أتنبئون بالتخفيف أما قوله : سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ فالمقصود تنزيه اللَّه تعالى نفسه عن ذلك الشرك ، قرأ حمزة والكسائي تشركون بالتاء ، ومثله في أول النحل في موضعين ، وفي الروم كلها بالتاء على الخطاب ، قال صاحب « الكشاف » « ما » موصولة أو مصدرية أي عن الشركاء الذين يشركونهم به أو عن إشراكهم ، قال الواحدي : من قرأ بالتاء فلقوله : أَ تُنَبِّئُونَ اللَّهَ ومن قرأ بالياء / فكأنه قيل للنبي صلى اللَّه عليه وسلم قل أنت سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ ويجوز أن يكون اللَّه سبحانه هو الذي نزه نفسه عما قالوه فقال : سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ . [ سورة يونس ( 10 ) : آية 19 ] وَما كانَ النَّاسُ إِلاَّ أُمَّةً واحِدَةً فَاخْتَلَفُوا وَلَوْ لا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ فِيما فِيهِ يَخْتَلِفُونَ ( 19 ) اعلم أنه تعالى لما أقام الدلالة القاهرة على فساد القول بعبادة الأصنام ، بين السبب في كيفية حدوث هذا المذهب الفاسد ، والمقالة الباطلة ، فقال : وَما كانَ النَّاسُ إِلَّا أُمَّةً واحِدَةً واعلم أن ظاهر قوله : وَما كانَ النَّاسُ إِلَّا أُمَّةً واحِدَةً لا يدل على أنهم أمة واحدة في ما ذا ؟ وفيه ثلاثة أقوال : القول الأول : أنهم كانوا جميعا على الدين الحق ، وهو دين الإسلام ، واحتجوا عليه بأمور : الأول : أن المقصود من هذه الآيات بيان كون الكفر باطلا ، وتزييف طريق عبادة الأصنام ، وتقرير أن الإسلام هو الدين الفاضل ، فوجب أن يكون المراد من قوله : كانَ النَّاسُ أُمَّةً واحِدَةً هو أنهم كانوا أمة واحدة ، إما في الإسلام وإما في الكفر ، ولا يجوز أن يقال إنهم كانوا أمة واحدة في الكفر . فبقي أنهم كانوا أمة واحدة في الإسلام ، إنما قلنا إنه لا يجوز أن يقال إنهم كانوا أمة واحدة في الكفر لوجوه : الأول : قوله تعالى : فَكَيْفَ إِذا جِئْنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ [ النساء : 41 ] وشهيد اللَّه لا بد وأن يكون مؤمنا عدلا . فثبت أنه ما خلت أمة من الأمم إلا وفيهم مؤمن . الثاني : أن الأحاديث وردت بأن الأرض لا تخلو عمن يعبد اللَّه تعالى ، وعن أقوام بهم يمطر أهل الأرض وبهم يرزقون . الثالث : أنه لما كانت الحكمة الأصلية في الخلق هو العبودية ، فيبعد خلو أهل الأرض بالكلية عن هذا المقصود . روي عن النبي صلى اللَّه عليه وسلم أنه قال : « إن اللَّه تعالى نظر إلى أهل الأرض فمقتهم عربهم وعجمهم إلا بقية من أهل الكتاب » وهذا يدل على قوم تمسكوا بالإيمان قبل مجيء الرسول عليه الصلاة والسلام ، فكيف يقال إنهم كانوا أمة واحدة في الكفر ؟ وإذا ثبت أن الناس كانوا أمة واحدة إما في الكفر وإما في الإيمان ، وأنهم ما كانوا أمة واحدة في الكفر ، ثبت أنهم كانوا أمة واحدة في الإيمان ، ثم اختلف القائلون بهذا القول أنهم متى كانوا كذلك ؟ فقال ابن عباس ومجاهد كانوا على دين الإسلام في عهد آدم وفي عهد ولده ، واختلفوا عند / قتل أحد ابنيه الابن الثاني ، وقال قوم : إنهم بقوا على دين الإسلام إلى زمن نوح ، وكانوا عشرة قرون . ثم اختلفوا على عهد نوح . فبعث اللَّه تعالى إليهم نوحا . وقال آخرون : كانوا على دين الإسلام في زمن نوح بعد الغرق ، إلى أن ظهر الكفر فيهم . وقال آخرون : كانوا على دين الإسلام من عهد إبراهيم عليه السلام إلى أن غيره عمرو بن لحي ، وهذا القائل قال : المراد من الناس في قوله تعالى : وَما كانَ النَّاسُ إِلَّا أُمَّةً واحِدَةً فاختلفوا العرب خاصة . إذا عرفت تفصيل هذا القول فنقول : إنه تعالى لما بين فيما قبل فساد القول بعبادة الأصنام بالدليل الذي