فخر الدين الرازي

226

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

يحصل إلا بالوحي والإلهام من اللَّه تعالى ، فقوله : لَوْ شاءَ اللَّهُ ما تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلا أَدْراكُمْ بِهِ حكم منه عليه الصلاة والسلام بأن هذا القرآن وحي من عند اللَّه تعالى ، لا من اختلافي ولا من افتعالي . وقوله : فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُراً مِنْ قَبْلِهِ إشارة إلى الدليل الذي قررناه ، وقوله : أَ فَلا تَعْقِلُونَ يعني أن مثل / هذا الكتاب العظيم إذا جاء على يد من لم يتعلم ولم يتلمذ ولم يطالع كتابا ولم يمارس مجادلة ، يعلم بالضرورة أنه لا يكون إلا على سبيل الوحي والتنزيل وإنكار العلوم الضرورية يقدح في صحة العقل فلهذا السبب قال : أَ فَلا تَعْقِلُونَ . المسألة الثانية : قوله : وَلا أَدْراكُمْ بِهِ هو من الدراية بمعنى العلم . قال سيبويه : يقال دريته ودريت به ، والأكثر هو الاستعمال بالباء والدليل عليه قوله تعالى : وَلا أَدْراكُمْ بِهِ ولو كان على اللغة الأخرى لقال ولا أدراكموه . إذا عرفت هذا فنقول : معنى وَلا أَدْراكُمْ بِهِ أي ولا أعلمكم اللَّه به ولا أخبركم به . قال صاحب « الكشاف » : قرأ الحسن وَلا أَدْراكُمْ بِهِ على لغة من يقول أعطأته وأرضأته في معنى أعطيته وأرضيته ويعضده قراءة ابن عباس ولا أنذرتكم به ورواه الفراء ولا أدرأتكم به بالهمز ، والوجه فيه أن يكون من أدرأته إذا دفعته ، وأدرأته إذا جعلته داريا ، والمعنى : ولا أجعلكم بتلاوته خصماء تدرءونني بالجدال وتكذبونني ، وعن ابن كثير ولأدرأكم بلام الابتداء لإثبات الإدراء . وأما قوله تعالى : فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُراً مِنْ قَبْلِهِ فالقراءة المشهورة بضم الميم ، وقرئ عمرا بسكون الميم . [ سورة يونس ( 10 ) : آية 17 ] فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أَوْ كَذَّبَ بِآياتِهِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الْمُجْرِمُونَ ( 17 ) واعلم أن تعلق هذه الآية بما قبلها ظاهر ، وذلك لأنهم التمسوا منه قرآنا يذكره من عند نفسه ، ونسبوه إلى أنه إنما يأتي بهذا القرآن من عند نفسه ، ثم إنه أقام البرهان القاهر الظاهر على أن ذلك باطل ، وأن هذا القرآن ليس إلا بوحي اللَّه تعالى وتنزيله ، فعند هذا قال : فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً والمراد أن هذا القرآن لو لم يكن من عند اللَّه ، لما كان في الدنيا أحد أظلم على نفسه مني ، حيث افتريته على اللَّه ، ولما أقمت الدلالة على أنه ليس الأمر كذلك ، بل هو بوحي من اللَّه تعالى وجب أن يقال إنه ليس في الدنيا أحد أجهل ولا أظلم على نفسه منكم ، لأنه لما ظهر بالبرهان المذكور كونه من عند اللَّه ، فإذا أنكرتموه كنتم قد كذبتم بآيات اللَّه فوجب أن تكونوا أظلم الناس . والحاصل أن قوله : فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً المقصود منه نفي الكذب عن نفسه وقوله : / أَوْ كَذَّبَ بِآياتِهِ المقصود منه إلحاق الوعيد الشديد بهم حيث أنكروا دلائل اللَّه ، وكذبوا بآيات اللَّه تعالى . وأما قوله : إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الْمُجْرِمُونَ فهو تأكيد لما سبق من هذين الكلامين . واللَّه أعلم . [ سورة يونس ( 10 ) : آية 18 ] وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هؤُلاءِ شُفَعاؤُنا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أَ تُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِما لا يَعْلَمُ فِي السَّماواتِ وَلا فِي الْأَرْضِ سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ ( 18 ) اعلم أنا ذكرنا أن القوم إنما التمسوا من الرسول صلى اللَّه عليه وسلم قرآنا غير هذا القرآن أو تبديل ، هذا القرآن لأن هذا