فخر الدين الرازي
224
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
والأسود بن عبد يغوث ، والحرث بن حنظلة ، فقتل اللَّه كل رجل منهم بطريق آخر ، كما قال : إِنَّا كَفَيْناكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ [ الحجر : 95 ] فذكر اللَّه تعالى أنهم كلما تلي عليهم آيات قال الذين لا يرجون لقاءنا ائت بقرآن غير هذا أو بدله وفيه بحثان : البحث الأول : أن وصفهم بأنهم لا يرجون لقاء اللَّه أريد به كونهم مكذبين بالحشر والنشر ، منكرين للبعث والقيامة ، ثم في تقرير حسن هذه الاستعارة وجوه : الأول : قال الأصم : لا يَرْجُونَ لِقاءَنَا أي لا يرجون في لقائنا خيرا على طاعة ، فهم من السيئات أبعد أن يخافوها . الثاني : قال القاضي : الرجاء لا يستعمل إلا في المنافع ، لكنه قد يدل على المضار من بعض الوجوه ، لأن من لا يرجو لقاء ما وعد ربه من الثواب ، وهو القصد بالتكليف ، لا يخاف أيضا ما يوعده به من العقاب ، فصار ذلك كناية عن جحدهم للبعث والنشور . واعلم أن كلام القاضي قريب من كلام الأصم ، إلا أن البيان التام أن يقال : كل من كان مؤمنا بالبعث والنشور فإنه لا بد وأن يكون راجيا ثواب اللَّه وخائفا من عقابه ، وعدم اللازم يدل على عدم الملزوم ، فلزم من نفي الرجاء نفي الإيمان بالبعث فهذا هو الوجه في حسن هذه الاستعارة . البحث الثاني : أنهم طلبوا من رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم أحد أمرين على البدل : فالأول : أن يأتيهم بقرآن غير هذا القرآن . والثاني : أن يبدل هذا القرآن وفيه إشكال ، لأنه إذا بدل هذا القرآن بغيره ، فقد أتى بقرآن غير هذا القرآن ، وإذا كان كذلك كان كل واحد منهما شيئا واحدا . وأيضا مما يدل على أن كل واحد منهما هو عين الآخر أنه عليه الصلاة والسلام اقتصر في الجواب على نفي أحدهما ، وهو قوله : ما يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقاءِ نَفْسِي وإذا ثبت أن كل واحد من هذين الأمرين هو نفس الآخر ، كان إلقاء اللفظ على الترديد والتخيير فيه باطلا . والجواب : أن أحد الأمرين غير الآخر ، فالإتيان بكتاب آخر ، لا على ترتيب هذا القرآن ولا على نظمه ، يكون إتيانا بقرآن آخر ، وأما إذا أتى بهذا القرآن إلا أنه وضع مكان ذم بعض الأشياء مدحها ، ومكان آية رحمة آية عذاب ، كان هذا تبديلا ، أو نقول : الإتيان بقرآن غير هذا هو أن / يأتيهم بكتاب آخر سوى هذا الكتاب مع كون هذا الكتاب باقيا بحاله ، والتبديل هو أن يغير هذا الكتاب . وأما قوله : إنه اكتفى في الجواب على نفي أحد القسمين . قلنا : الجواب المذكور عن أحد القسمين هو عين الجواب عن القسم الثاني وإذا كان كذلك وقع الاكتفاء بذكر أحدهما عن ذكر الثاني . وإنما قلنا : الجواب عن أحد القسمين عين الجواب عن الثاني لوجهين : الأول : أنه عليه الصلاة والسلام لما بين أنه لا يجوز أن يبدله من تلقاء نفسه ، لأنه وارد من اللَّه تعالى ولا يقدر على مثله ، كما لا يقدر سائر العرب على مثله ، فكان ذلك متقررا في نفوسهم بسبب ما تقدم من تحديد لهم بمثل هذا القرآن ، فقد دلهم بذلك على أنه لا يتمكن من قرآن غير هذا . والثاني : أن التبديل أقرب إلى الإمكان من المجيء بقرآن غير هذا القرآن ، فجوابه عن الأسهل يكون جوابا عن الأصعب ، ومن الناس من قال : لا فرق بين الإتيان بقرآن غير هذا القرآن وبين تبديل هذا القرآن ، وجعل قوله : ما يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ جوابا عن الأمرين ، إلا أنه ضعيف على ما بيناه .