فخر الدين الرازي
218
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
أن هالك كل من يحفى وينتعل على معنى أنه هالك . وقال صاحب « النظم » ( أن ) هاهنا زائدة ، والتقدير : وآخر دعواهم الحمد للَّه رب العالمين ، وهذا القول ليس بشيء ، وقرأ بعضهم أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بالتشديد ، ونصب الحمد . [ سورة يونس ( 10 ) : آية 11 ] وَلَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجالَهُمْ بِالْخَيْرِ لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ فَنَذَرُ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ ( 11 ) وفيه مسائل : المسألة الأولى : أن الذي يغلب على ظني أن ابتداء هذه السورة في ذكر شبهات المنكرين للنبوة مع الجواب عنها . فالشبهة الأولى : أن القوم تعجبوا من تخصيص اللَّه تعالى محمدا عليه السلام بالنبوة فأزال اللَّه تعالى ذلك التعجب بقوله : أَ كانَ لِلنَّاسِ عَجَباً أَنْ أَوْحَيْنا إِلى رَجُلٍ مِنْهُمْ [ يونس : 2 ] ثم ذكر دلائل التوحيد ودلائل صحة المعاد ، وحاصل الجواب أنه يقول : إني ما جئتكم إلا بالتوحيد والإقرار بالمعاد ، وقد دللت على صحتها ، فلم يبق للتعجب من نبوتي معنى . والشبهة الثانية : للقوم أنهم كانوا أبدا يقولون : اللهم إن كان ما يقول محمد حقا في ادعاء الرسالة فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم . فأجاب اللَّه تعالى عن هذه الشبهة بما ذكره في هذه الآية فهذا هو الكلام في كيفية النظم . ومن الناس من ذكر فيه وجوها أخرى : فالأول : قال القاضي : لما بين تعالى فيما تقدم الوعد والوعيد أتبعه بما دل على أن من حقهما أن يتأخرا عن هذه الحياة الدنيوية لأن حصولهما في الدنيا كالمانع من بقاء التكليف . والثاني : ما ذكره القفال : وهو أنه تعالى لما وصف الكفار بأنهم لا يرجون لقاء اللَّه ورضوا بالحياة الدنيا / واطمأنوا بها ، وكانوا عن آيات اللَّه غافلين بين أن من غفلتهم أن الرسول متى أنذرهم استعجلوا العذاب جهلا منهم وسفها . المسألة الثانية : أنه تعالى أخبر في آيات كثيرة أن هؤلاء المشركين متى خوفوا بنزول العذاب في الدنيا استعجلوا ذلك العذاب كما قالوا : اللَّهُمَّ إِنْ كانَ هذا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ أَوِ ائْتِنا بِعَذابٍ أَلِيمٍ [ الأنفال : 32 ] وقال تعالى : سَأَلَ سائِلٌ بِعَذابٍ واقِعٍ [ المعارج : 1 ] الآية . ثم إنهم لما توعدوا بعذاب الآخرة في هذه الآية وهو قوله : أُولئِكَ مَأْواهُمُ النَّارُ بِما كانُوا يَكْسِبُونَ [ يونس : 8 ] استعجلوا ذلك العذاب ، وقالوا : متى يحصل ذلك كما قال تعالى : يَسْتَعْجِلُ بِهَا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِها [ الشورى : 18 ] وقال في هذه السورة بعد هذه الآية : وَيَقُولُونَ مَتى هذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ إلى قوله : آلْآنَ وَقَدْ كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ [ يونس : 48 - 51 ] وقال في سورة الرعد : وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ وَقَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمُ الْمَثُلاتُ [ الرعد : 6 ] فبين تعالى أنهم لا مصلحة لهم في تعجيل إيصال الشر إليهم ، لأنه تعالى لو أوصل ذلك العقاب إليهم لماتوا وهلكوا ، لأن تركيبهم في الدنيا لا يحتمل ذلك ولا صلاح في إماتتهم ، فربما آمنوا بعد ذلك ، وربما خرج من صلبهم من كان مؤمنا ، وذلك يقتضي أن لا يعاجلهم بإيصال ذلك الشر . المسألة الثالثة : في لفظ الآية إشكال ، وهو أن يقال : كيف قابل التعجيل بالاستعجال ، وكان الواجب أن