فخر الدين الرازي
209
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
وإذا عرفت هذا فنقول : النور اسم لأصل هذه الكيفية ، وأما الضوء ، فهو اسم لهذه الكيفية إذا كانت كاملة تامة قوية ، والدليل عليه أنه تعالى سمى الكيفية القائمة بالشمس ضِياءً والكيفية القائمة بالقمر نُوراً ولا شك أن الكيفية القائمة بالشمس أقوى وأكمل من الكيفية القائمة بالقمر ، وقال في موضع آخر : وَجَعَلَ فِيها سِراجاً وَقَمَراً مُنِيراً [ الفرقان : 61 ] وقال في آية أخرى : وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِراجاً [ نوح : 16 ] وفي آية أخرى وَجَعَلْنا سِراجاً وَهَّاجاً [ النبأ : 13 ] . المسألة السادسة : قوله : وَقَدَّرَهُ مَنازِلَ نظيره قوله تعالى في سورة يس : وَالْقَمَرَ قَدَّرْناهُ مَنازِلَ [ يس : 39 ] وفيه وجهان : أحدهما : أن يكون المعنى وقدر مسيره منازل . والثاني : أن يكون المعنى وقدره ذا منازل . المسألة السابعة : الضمير في قوله : وَقَدَّرَهُ فيه وجهان : الأول : أنه لهما ، وإنما وحد الضمير للإيجاز ، وإلا فهو في معنى التثنية اكتفاء بالمعلوم ، لأن عدد السنين والحساب إنما يعرف بسير الشمس والقمر ، ونظيره قوله تعالى : وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ [ التوبة : 62 ] والثاني : أن يكون هذا الضمير راجعاً إلى القمر وحده ، لأن بسير القمر تعرف الشهور ، وذلك لأن الشهور المعتبرة في / الشريعة مبنية على رؤية الأهلة ، والسنة المعتبرة في الشريعة هي السنة القمرية ، كما قال تعالى : إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنا عَشَرَ شَهْراً فِي كِتابِ اللَّهِ [ التوبة : 36 ] . المسألة الثامنة : اعلم أن انتفاع الخلق بضوء الشمس وبنور القمر عظيم ، فالشمس سلطان النهار والقمر سلطان الليل وبحركة الشمس تنفصل السنة إلى الفصول الأربعة ، وبالفصول الأربعة تنتظم مصالح هذا العالم وبحركة القمر تحصل الشهور ، وباختلاف حاله في زيادة الضوء ونقصانه تختلف أحوال رطوبات هذا العالم وبسبب الحركة اليومية يحصل النهار والليل ، فالنهار يكون زمانا للتكسب والطلب ، والليل يكون زمانا للراحة ، وقد استقصينا في منافع الشمس والقمر في تفسير الآيات اللائقة بها فيما سلف ، وكل ذلك يدل على كثرة رحمة اللّه على الخلق وعظم عنايته بهم ، فإنا قد دللنا على أن الأجسام متساوية ومتى كان كذلك كان اختصاص كل جسم بشكله المعين ووضعه المعين ، وحيزه المعين ، وصفته المعينة ، ليس إلا بتدبير مدبر حكيم رحيم قادر قاهر وذلك يدل على أن جميع المنافع الحاصلة في هذا العالم بسبب حركات الأفلاك ومسير الشمس والقمر والكواكب ، ما حصل إلا بتدبير المدبر المقدر الرحيم الحكيم سبحانه وتعالى عما يقول الظالمون علوا كبيرا ثم إنه تعالى لما قرر هذه الدلائل ختمها بقوله : ما خَلَقَ اللَّهُ ذلِكَ إِلَّا بِالْحَقِّ ومعناه أنه تعالى خلقه على وفق الحكمة ومطابقة المصلحة ، ونظيره قوله تعالى في آل عمران : وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنا ما خَلَقْتَ هذا باطِلًا سُبْحانَكَ [ آل عمران : 191 ] وقال في سورة أخرى : وَما خَلَقْنَا السَّماءَ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما باطِلًا ذلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا [ ص : 27 ] وفيه مسائل : المسألة الأولى : قال القاضي : هذه الآية تدل على بطلان الجبر ، لأنه تعالى لو كان مريدا لكل ظلم ، وخالقا لكل قبيح ، ومريدا لإضلال من ضل ، لما صح أن يصف نفسه بأنه ما خلق ذلك إلا بالحق . المسألة الثانية : قال حكماء الإسلام : هذا يدل على أنه سبحانه أودع في أجرام الأفلاك والكواكب خواص معينة وقوى مخصوصة ، باعتبارها تنتظم مصالح هذا العالم السفلي إذ لو لم يكن لها آثار وفوائد في هذا