فخر الدين الرازي

204

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

الشبهة الرابعة : إذا قتل إنسان واغتذى به إنسان آخر فيلزم أن يقال تلك الأجزاء في بدن كل واحد من الشخصين وذلك محال . والجواب : هذه الشبهة أيضا مبنية على أن الإنسان المعين عبارة عن مجموع هذا البدن ، وقد بينا أنه باطل بل الحق أنه عبارة عن النفس سواء . قلنا : النفس جوهر مجرد وأجسام لطيفة باقية مشاكلة للجسد ، وهي التي سمتها المتكلمون بالأجزاء الأصلية . وهذا آخر البحث العقلي عن مسألة المعاد . المسألة الرابعة : قوله تعالى : إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً فيه أبحاث : البحث الأول : أن كلمة « إلى » لانتهاء الغاية ، وظاهره يقتضي أن يكون اللّه سبحانه مختصا بحيز وجهة ، حتى يصلح أن يقال : إليه مرجع الخلق . والجواب عنه من وجوه : الأول : أنا إذا قلنا النفس جوهر مجرد ، فالسؤال زائل . الثاني : أن يكون المراد منه : أن مرجعهم إلى حيث لا حاكم سواه . الثالث : أن يكون المراد : أن مرجعهم إلى حيث حصل الوعد فيه بالمجازاة . البحث الثاني : ظاهر الآيات الكثيرة يدل على أن الإنسان عبارة عن النفس ، لا عن البدن ، ويدل أيضا على أن النفس كانت موجودة قبل البدن . أما أن الإنسان شيء غير هذا البدن فلقوله تعالى : وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتاً بَلْ أَحْياءٌ [ آل عمران : 169 ] فالعلم الضروري حاصل بأن بدن المقتول ميت ، والنص دال على أنه حي ، فوجب أن تكون حقيقته شيئا مغايرا لهذا البدن الميت ، وأيضا قال اللّه تعالى في صفة نزع روح الكفار أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ [ الأنعام : 93 ] وأما إن النفس كانت موجودة قبل البدن ، فلأن قوله تعالى في هذه الآية : إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ يدل على ما قلنه ، لأن الرجوع إلى الموضع إنما يحصل لو كان ذلك الشيء قد كان هناك قبل ذلك ، ونظيره قوله تعالى : يا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ * ارْجِعِي إِلى رَبِّكِ راضِيَةً [ الفجر : 27 ، 28 ] وقوله : ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلاهُمُ الْحَقِّ [ الأنعام : 62 ] . البحث الثالث : المرجع بمعنى الرجوع و جَمِيعاً نصب على الحال أي ذلك الرجوع يحصل حال الاجتماع ، وهذا يدل على أنه ليس المراد من هذا المرجع الموت ، وإنما المراد منه القيامة . البحث الرابع : قوله تعالى : إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ يفيد الحصر ، وأنه لا رجوع إلا إلى اللّه تعالى ، ولا حكم إلا حكمه ولا نافذ إلا أمره ، وأما قوله : وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا ففيه مسألتان : المسألة الأولى : قوله : وَعْدَ اللَّهِ منصوب على معنى : وعدكم اللّه وعدا ، لأن قوله : إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ معناه : الوعد بالرجوع ، فعلى هذا التقدير يكون قوله : وَعْدَ اللَّهِ مصدرا مؤكدا لقوله : / إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ وقوله : حَقًّا مصدرا مؤكدا لقوله : وَعْدَ اللَّهِ فهذه التأكيدات قد اجتمعت في هذا الحكم . المسألة الثانية : قرئ وعد الله على لفظ الفعل . واعلم أنه تعالى لما أخبر عن وقوع الحشر والنشر ، ذكر بعده ما يدل على كونه في نفسه ممكن الوجود ثم ذكر بعده ما يدل على وقوعه . أما ما يدل على إمكانه في نفسه فهو قوله سبحانه : إِنَّهُ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وفيه مسائل :