فخر الدين الرازي

350

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

عن الحول والقوة وقطع النظر عن الأسباب واستغراق القلب في نور جلال مسبب الأسباب . واعلم أن الإنسان إذا تفكر في طلب معرفة اللَّه تعالى بالدليل والحجة فكأنه جلس في سفينة التفكر والتدبر ، وأمواج الظلمات والضلالات قد علت تلك الجبال وارتفعت إلى مصاعد القلال ، فإذا ابتدأت سفينة الفكرة والروية بالحركة وجب أن يكون هناك اعتماده على اللَّه تعالى وتضرعه / إلى اللَّه تعالى وأن يكون بلسان القلب ونظر العقل . يقول : بسم اللَّه مجريها ومرساها حتى تصل سفينة فكره إلى ساحل النجاة وتتخلص عن أمواج الضلالات . وأما قوله : إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَحِيمٌ ففيه سؤال وهو أن ذلك الوقت وقت الإهلاك وإظهار القهر فكيف يليق به هذا الذكر ؟ وجوابه : لعل القوم الذين ركبوا السفينة اعتقدوا في أنفسهم أنا إنما نجونا ببركة علمنا فاللَّه تعالى نبههم بهذا الكلام لإزالة ذلك العجب منهم ، فإن الإنسان لا ينفك عن أنواع الزلات وظلمات الشهوات ، وفي جميع الأحوال فهو محتاج إلى إعانة اللَّه وفضله وإحسانه ، وأن يكون رحيما لعقوبته غفورا لذنوبه . [ سورة هود ( 11 ) : الآيات 42 إلى 43 ] وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ فِي مَوْجٍ كَالْجِبالِ وَنادى نُوحٌ ابْنَهُ وَكانَ فِي مَعْزِلٍ يا بُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنا وَلا تَكُنْ مَعَ الْكافِرِينَ ( 42 ) قالَ سَآوِي إِلى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْماءِ قالَ لا عاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلاَّ مَنْ رَحِمَ وَحالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ ( 43 ) واعلم أن قوله : وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ فِي مَوْجٍ كَالْجِبالِ مسائل : المسألة الأولى : قوله : وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ فِي مَوْجٍ متعلق بمحذوف ، والتقدير : وقال اركبوا فيها ، فركبوا فيها يقولون : بسم اللَّه وهي تجري بهم في موج كالجبال . المسألة الثانية : الأمواج العظيمة إنما تحدث عند حصول الرياح القوية الشديدة العاصفة فهذا يدل على أنه حصل في ذلك الوقت رياح عاصفة شديدة ، والمقصود منه : بيان شدة الهول والفزع . المسألة الثالثة : الجريان في الموج ، هو أن تجري السفينة داخل الموج ، وذلك يوجب الغرق ، / فالمراد أن الأمواج لما أحاطت بالسفينة من الجوانب ، شبهت تلك السفينة بما إذا جرت في داخل تلك الأمواج . [ في قوله تعالى ونادى نوح ابنه وكان في معزل ] ثم حكى اللَّه تعالى عنه أنه نادى ابنه ، وفيه مسائل : المسألة الأولى : اختلفوا في أنه كان ابنا له ، وفيه أقوال : القول الأول : أنه ابنه في الحقيقة ، والدليل عليه : أنه تعالى نص عليه فقال : وَنادى نُوحٌ ابْنَهُ ونوح أيضا نص عليه فقال : يا بُنَيَّ وصرف هذا اللفظ إلى أنه رباه ، فأطلق عليه اسم الابن لهذا السبب صرف للكلام عن حقيقته إلى مجازه من غير ضرورة وأنه لا يجوز ، والذين خالفوا هذا الظاهر إنما خالفوه لأنهم استبعدوا أن يكون ولد الرسول المعصوم كافرا ، وهذا بعيد ، فإنه ثبت أن والد رسولنا صلى اللَّه عليه وسلم كان كافرا ، ووالد إبراهيم عليه السلام كان كافرا بنص القرآن ، فكذلك هاهنا ، ثم القائلون بهذا القول اختلفوا في أنه عليه السلام لما قال : رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكافِرِينَ دَيَّاراً [ نوح : 26 ] فكيف ناداه مع كفره ؟