فخر الدين الرازي

348

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

وأرادوا حمل من كل شيء زوجين اثنين الذكر زوج والأنثى زوج لا يقال عليه إن الزوجين لا يكونان إلا اثنين فما الفائدة في قوله : زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ لأنا نقول هذا على مثال قوله : لا تَتَّخِذُوا إِلهَيْنِ اثْنَيْنِ [ النحل : 51 ] وقوله : نَفْخَةٌ واحِدَةٌ [ الحاقة : 13 ] وأما على القراءة المشهورة ، فهذا السؤال غير وأراد واختلفوا في أنه هل دخل في قوله : زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ غير الحيوان أم لا ؟ فنقول : أما الحيوان فداخل لأن قوله : مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ يدخل فيه كل الحيوانات ، وأما النبات فاللفظ لا يدل عليه ، إلا أنه بحسب قرينة الحال لا يبعد بسبب أن الناس محتاجون إلى النبات بجميع أقسامه ، وجاء في الروايات عن ابن مسعود رضي اللَّه عنهما أنه قال : لم يستطع نوح عليه السلام أن يحمل الأسد حتى ألقيت عليه الحمى وذلك أن نوحا عليه السلام قال : يا رب فمن أين أطعم الأسد إذا حملته قال تعالى : « فسوف أشغله عن الطعام » فسلط اللَّه تعالى عليه الحمى وأمثال هذه الكلمات الأولى تركها ، فإن حاجة الفيل إلى الطعام أكثر وليس به حمى . الثاني : من الأشياء التي أمر اللَّه نوحا عليه السلام بحملها في السفينة . قوله تعالى : وَأَهْلَكَ إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ قالوا : كانوا سبعة نوح عليه السلام وثلاثة أبناء له وهم سام وحام ويافث ، ولكل وأحد منهم زوجة ، وقيل أيضا كانوا ثمانية ، هؤلاء وزوجة نوح عليه السلام . وأما قوله : إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ فالمراد ابنه وامرأته وكانا كافرين ، حكم اللَّه تعالى عليهم بالهلاك . فإن قيل : الإنسان أشرف من جميع الحيوانات فما السبب أنه وقع الابتداء بذكر الحيوانات ؟ قلنا : الإنسان عاقل وهو لعقله كالمضطر إلى دفع أسباب الهلاك عن نفسه ، فلا حاجة فيه إلى المبالغة في الترغيب ، بخلاف السعي في تخليص سائر الحيوانات ، فلهذا السبب وقع الابتداء به . واعلم أن أصحابنا احتجوا بقوله : إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ في إثبات القضاء اللازم والقدر الواجب ، قالوا : لأن قوله : سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ مشعر بأن كل من سبق عليه القول فإنه لا يتغير عن حاله وهو كقوله عليه الصلاة والسلام : « السعيد من سعد في بطن أمه والشقي من شقي في بطن أمه » . [ قوله تعالى وَمَنْ آمَنَ وَما آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ ] النوع الثالث : من تلك الأشياء قوله : وَمَنْ آمَنَ قالوا كانوا ثمانين . قال مقاتل : في ناحية الموصل قرية يقال لها قرية الثمانين سميت بذلك ، لأن هؤلاء لما خرجوا من السفينة بنوها ، فسميت بهذا الاسم وذكروا ما هو أزيد منه وما هو أنقص منه وذلك مما لا سبيل إلى معرفته إلا أن اللَّه تعالى وصفهم بالقلة وهو قوله تعالى : وَما آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ . فإن قيل : لما كان الذين آمنوا معه ودخلوا في السفينة كانوا جماعة فلم لم يقل قليلون كما في قوله : إِنَّ هؤُلاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ [ الشعراء : 54 ] . قلنا : كلا اللفظين جائز ، والتقدير هاهنا وما آمن معه إلا نفر قليل ، فأما الذي يروي أن إبليس دخل السفينة فبعيد ، لأنه من الجن وهو جسم ناري أو هوائي وكيف يؤثر الغرق فيه ، وأيضا كتاب اللَّه تعالى لم يدل عليه وخبر صحيح ما ورد فيه ، فالأولى ترك الخوض فيه . [ سورة هود ( 11 ) : آية 41 ] وَقالَ ارْكَبُوا فِيها بِسْمِ اللَّهِ مَجْراها وَمُرْساها إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَحِيمٌ ( 41 ) [ في قوله تعالى وَقالَ ارْكَبُوا فِيها ] أما قوله : وَقالَ يعني نوح عليه السلام لقومه : ارْكَبُوا والركوب العلو على ظهر الشيء ومنه ركوب