فخر الدين الرازي
333
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
الْأَرْضِ قال الواحدي : معنى الإعجاز المنع من تحصيل المراد . يقال أعجزني فلان أي منعني عن مرادي ، ومعنى معجزين في الأرض أي لا يمكنهم أن يهربوا من عذابنا فإن هرب العبد من عذاب اللَّه محال ، لأنه سبحانه وتعالى قادر على جميع الممكنات ، ولا تتفاوت قدرته بالبعد والقرب والقوة والضعف . والصفة التاسعة : أنهم ليس لهم أولياء يدفعون عذاب اللَّه عنهم ، والمراد منه الرد عليهم في وصفهم الأصنام بأنها شفعاؤهم عند اللَّه والمقصود أن قوله : أُولئِكَ لَمْ يَكُونُوا مُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ دل على أنهم لا قدرة لهم على الفرار وقوله : وَما كانَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِياءَ هو أن أحدا لا يقدر على تخليصهم من ذلك العذاب ، فجمع تعالى بين ما يرجع إليهم وبين ما يرجع إلى غيرهم وبين بذلك انقطاع حيلهم في الخلاص من عذاب الدنيا والآخرة ، ثم اختلفوا فقال قوم المراد إن عدم نزول العذاب ليس لأجل أنهم قدروا على منع اللَّه من إنزال العذاب ولا لأجل أن لهم ناصرا يمنع ذلك العذاب عنهم ، بل إنما حصل ذلك الإمهال لأنه تعالى أمهلهم كي يتوبوا فيزولوا عن كفرهم فإذا أبوا إلا الثبات عليه فلا بد من مضاعفة العذاب في الآخرة ، وقال بعضهم : بل المراد أن يكونوا معجزين للَّه عما يريد إنزاله عليهم من العذاب في الآخرة أو في الدنيا ولا يجدون وليا ينصرهم ويدفع ذلك عنهم . والصفة العاشرة : قوله تعالى : يُضاعَفُ لَهُمُ الْعَذابُ قيل سبب تضعيف العذاب في حقهم أنهم كفروا باللَّه وبالبعث وبالنشور ، فكفرهم بالمبدأ والمعاد صار سببا لتضعيف العذاب ، والأصوب أن يقال إنهم مع ضلالهم الشديد ، سعوا في الإضلال ومنع الناس عن الدين الحق ، فلهذا المعنى حصل هذا التضعيف عليهم . الصفة الحادية عشرة : قوله : ما كانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وَما كانُوا يُبْصِرُونَ والمراد ما هم عليه في الدنيا من صمم القلب وعمى النفس ، واحتج أصحابنا بهذه الآية على أنه تعالى قد يخلق في المكلف ما يمنعه الإيمان ، روي عن ابن عباس رضي اللَّه تعالى عنهما أنه قال إنه تعالى منع الكافر من الإيمان في الدنيا والآخرة ، أما في الدنيا ففي قوله تعالى : ما كانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وَما كانُوا يُبْصِرُونَ وأما في الآخرة فهو قوله : يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلا يَسْتَطِيعُونَ [ القلم : 42 ] وحاصل الكلام في هذا الاستدلال أنه تعالى أخبر عنهم أنهم لا يستطيعون السمع ، فإما أن يكون المراد أنهم ما كانوا يستطيعون سمع الأصوات والحروف ، وإما أن يكون المراد / كونهم عاجزين عن الوقوف على دلائل اللَّه تعالى ، والقول الأول باطل لأن البديهة دلت على أنهم كانوا يسمعون الأصوات والحروف ، وجب حمل اللفظ على الثاني أجاب الجبائي عنه بأن السمع إما أن يكون عبارة عن الحاسة المخصوصة ، أو عن معنى يخلقه اللَّه تعالى في صماخ الأذن ، وكلاهما لا يقدر العبد عليه ، لأنه لو اجتهد في أن يفعل ذلك أو يتركه لتعذر عليه ، وإذا ثبت هذا كان إثبات الاستطاعة فيه محالا ، وإذا كان إثباتها محالا كان نفي الاستطاعة عنه هو الحق ، فثبت أن ظاهر الآية لا يقدح في قولنا . ثم قال المراد بقوله : ما كانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ إهمالهم له ونفورهم عنه كما يقول القائل : هذا كلام لا أستطيع أن أسمعه ، وهذا مما يمجه سمعي وذكر غير الجبائي عذرا آخر ، فقال إنه تعالى نفى أن يكون لهم أولياء والمراد الأصنام ثم بين نفي كونهم أولياء بقوله : ما كانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وَما كانُوا يُبْصِرُونَ فكيف يصلحون للولاية . والجواب : أما حمل الآية على أنه لا قدرة لهم على خلق الحاسة وعلى خلق المعنى فيها باطل ، لأن هذه الآية وردت في معرض الوعيد فلا بد وأن يكون ذلك معنى مختصا بهم ، والمعنى الذي قالوه حاصل في