فخر الدين الرازي

322

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ والاستثناء يخرج من الكلام ما لولاه لدخل ، فثبت أن الإنسان المذكور في هذه الآية داخل فيه المؤمن والكافر ، وذلك يدل على ما قلناه . الثاني : أن هذه الآية موافقة على هذا التقرير لقوله تعالى : وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْإِنْسانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ [ العصر : 1 - 3 ] وموافقة أيضا لقوله تعالى : إِنَّ الْإِنْسانَ خُلِقَ هَلُوعاً * إِذا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعاً * وَإِذا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعاً [ المعارج : 19 - 21 ] الثالث : أن مزاج الإنسان مجبول على الضعف والعجز . قال ابن جريج في تفسير هذه الآية يا ابن آدم إذا نزلت لك نعمة من اللَّه فأنت كفور ، فإذا نزعت منك فيؤس قنوط . والقول الثاني : أن المراد منه الكافر ، ويدل عليه وجوه : الأول : أن الأصل في المفرد المحلى بالألف واللام أن يحمل على المعهود السابق لولا المانع ، وهاهنا لا مانع فوجب حمله عليه / والمعهود السابق هو الكافر المذكور في الآية المتقدمة . الثاني : أن الصفات المذكورة للإنسان في هذه الآية لا تليق إلا بالكافر لأنه وصفه بكونه يؤسا ، وذلك من صفات الكافر لقوله تعالى : إِنَّهُ لا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكافِرُونَ [ يوسف : 78 ] ووصفه أيضا بكونه كفورا ، وهو تصريح بالكفر ووصفه أيضا بأنه عند وجدان الراحة يقول : ذَهَبَ السَّيِّئاتُ عَنِّي ، [ هود : 10 ] وذلك جزاءة على اللَّه تعالى ، ووصفه أيضا بكونه فرحا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ [ القصص : 76 ] ووصفه أيضا بكونه فخورا ، وذلك ليس من صفات أهل الدين . ثم قال الناظرون لهذا القول : وجب أن يحمل الاستثناء المذكور في هذه الآية على الاستثناء المنقطع حتى لا تلزمنا هذه المحذورات . المسألة الثانية : لفظ الإذاقة والذوق يفيد أقل ما يوجد به الطعم ، فكان المراد أن الإنسان بوجدان أقل القليل من الخيرات العاجلة يقع في التمرد والطغيان ، وبإدراك أقل القليل من المحنة والبلية يقع في اليأس والقنوط والكفران فالدنيا في نفسها قليلة ، والحاصل منها للإنسان الواحد قليل ، والإذاقة من ذلك المقدار خير قليل ثم إنه في سرعة الزوال يشبه أحلام النائمين وخيالات الموسوسين ، فهذه الإذاقة من قليل ، ومع ذلك فإن الإنسان لا طاقة له بتحملها ولا صبر له على الإتيان بالطريق الحسن معها . وأما النعماء فقال الواحدي : إنها إنعام يظهر أثره على صاحبه ، والضراء مضرة يظهر أثرها على صاحبها ، لأنها خرجت مخرج الأحوال الظاهرة نحو حمراء وعوراء ، وهذا هو الفرق بين النعمة والنعماء ، والمضرة والضراء . المسألة الثالثة : اعلم أن أحوال الدنيا غير باقية ، بل هي أبدا في التغير والزوال ، والتحول والانتقال ، إلا أن الضابط فيه أنه إما أن يتحول من النعمة إلى المحنة ، ومن اللذات إلى الآفات وإما أن يكون بالعكس من ذلك ، وهو أن ينتقل من المكروه إلى المحبوب ، ومن المحرمات إلى الطيبات . أما القسم الأول : فهو المراد من قوله : وَلَئِنْ أَذَقْنَا الْإِنْسانَ مِنَّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْناها مِنْهُ إِنَّهُ لَيَؤُسٌ كَفُورٌ وحاصل الكلام أنه تعالى حكم على هذا الإنسان بأنه يئوس كفور وتقريره أن يقال : أنه حال زوال تلك النعمة يصير يؤسا ، وذلك لأن الكافر يعتقد أن السبب في حصول تلك النعمة سبب اتفاقي ، ثم إنه يستبعد حدوث ذلك الاتفاق مرة أخرى فلا جرم يستبعد عود تلك النعمة فيقع في اليأس . وأما المسلم الذي يعتقد أن تلك النعمة إنما حصلت من اللَّه تعالى وفضله وإحسانه وطوله فإنه لا يحصل له اليأس ، بل يقول لعله تعالى يردها إلى بعد ذلك أكمل وأحسن وأفضل مما كانت ، وأما حال كون تلك النعمة حاصلة فإنه يكون كفورا لأنه لما اعتقد أن حصولها إنما كان على سبيل الاتفاق أو بسبب أن الإنسان حصلها بسبب جده وجهده ، فحينئذ لا يشتغل بشكر