فخر الدين الرازي

301

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

والوجه الرابع : في تقرير هذا المعنى أن تقول : المقصود من ذكر هذا الكلام استمالة قلوب الكفار وتقريبهم من قبول الإيمان ، وذلك لأنهم طالبوه مرة بعد أخرى ، بما يدل على صحة نبوته وكأنهم استحيوا من تلك المعاودات والمطالبات ، وذلك الاستحياء صار مانعا لهم عن قبول الإيمان فقال تعالى : فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ من نبوتك فتمسك بالدلائل القلائل ، يعني أولى الناس بأن لا يشك / في نبوته هو نفسه ، ثم مع هذا إن طلب هو من نفسه دليلا على نبوة نفسه بعد ما سبق من الدلائل الباهرة والبينات القاهرة فإنه ليس فيه عيب ولا يحصل بسببه نقصان ، فإذا لم يستقبح منه ذلك في حق نفسه فلأن لا يستقبح من غيره طلب الدلائل كان أولى ، فثبت أن المقصود بهذا الكلام استمالة القوم وإزالة الحياء عنهم في تكثير المناظرات . الوجه الخامس : أن يكون التقدير أنك لست شاكا البتة ولو كنت شاكا لكان لك طرق كثيرة في إزالة ذلك الشك كقوله تعالى : لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا [ الأنبياء : 22 ] والمعنى أنه لو فرض ذلك الممتنع واقعا ، لزم منه المحال الفلاني فكذا هاهنا ولو فرضنا وقوع هذا الشك فارجع إلى التوراة والإنجيل لتعرف بهما أن هذا الشك زائل وهذه الشبهة باطلة . الوجه السادس : قال الزجاج : إن اللَّه خاطب الرسول في قوله : فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ وهو شامل للخلق وهو كقوله : يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ [ الطلاق : 1 ] قال : وهذا أحسن الأقاويل ، قال القاضي : هذا بعيد لأنه متى كان الرسول داخلا تحت هذا الخطاب فقد عاد السؤال ، سواء أريد معه غيره أو لم يرد وإن جاز أن يراد هو مع غيره ، فما الذي يمنع أن يراد بانفراده كما يقتضيه الظاهر ، ثم قال : ومثل هذا التأويل يدل على قلة التحصيل . الوجه السابع : هو أن لفظ ( إن ) في قوله : فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ للنفي أي ما كنت في شك قبل يعني لا نأمرك بالسؤال لأنك شاك لكن لتزداد يقينا كما ازداد إبراهيم عليه السلام بمعاينة إحياء الموتى يقينا . وأما الوجه الثاني : وهو أن يقال هذا الخطاب ليس مع الرسول فتقريره أن الناس في زمانه كانوا فرقا ثلاثة ، المصدقون به والمكذبون له والمتوقفون في أمره الشاكون فيه ، فخاطبهم اللَّه تعالى بهذا الخطاب فقال : إن كنت أيها الإنسان في شك مما أنزلنا إليك من الهدى على لسان محمد فاسأل أهل الكتاب ليدلوك على صحة نبوته ، وإنما وحد اللَّه تعالى ذلك وهو يريد الجمع ، كما في قوله : يا أَيُّهَا الْإِنْسانُ ما غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ * الَّذِي خَلَقَكَ [ الانفطار : 6 ، 7 ] و يا أَيُّهَا الْإِنْسانُ إِنَّكَ كادِحٌ [ الانشقاق : 6 ] وقوله : فَإِذا مَسَّ الْإِنْسانَ ضُرٌّ [ الزمر : 49 ] ولم يرد في جميع هذه الآيات إنسانا بعينه ، بل المراد هو الجماعة فكذا هاهنا ولما ذكر اللَّه تعالى لهم ما يزيل ذلك الشك عنهم حذرهم من أن يلحقوا بالقسم الثاني وهم المكذبون فقال : وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِ اللَّهِ فَتَكُونَ مِنَ الْخاسِرِينَ . المسألة الثالثة : اختلفوا في أن المسؤول منه في قوله : فَسْئَلِ الَّذِينَ يَقْرَؤُنَ الْكِتابَ من هم ؟ فقال المحققون هم الذين آمنوا من أهل الكتاب كعبد اللَّه بن سلام ، وعبد اللَّه بن صوريا ، وتميم / الداري ، وكعب الأحبار لأنهم هم الذين يوثق بخبرهم ، ومنهم من قال : الكل سواء كانوا من المسلمين أو من الكفار ، لأنهم إذا بلغوا عدد التواتر ثم قرءوا آية من التوراة والإنجيل ، وتلك الآية دالة على البشارة بمقدم محمد صلى اللَّه عليه وسلم فقد حصل الغرض . فإن قيل : إذا كان مذهبكم أن هذه الكتب قد دخلها التحريف والتغيير ، فكيف يمكن التعويل عليها .