فخر الدين الرازي

92

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

فاقتصر على ذكره . ويروى أن واحدا من الكفار رفع صوته . وقال : / إني أتوب إلى اللّه ولا أتوب إلى محمد ، فسمع الرسول عليه السلام ذلك وقال : « وضع الحق في أهله » الثالث : يجوز أن يكون المراد يرضوهما فاكتفى بذكر الواحد كقوله : نحن بما عندنا وأنت بما * عندك راض والرأي مختلف والرابع : أن العالم بالأسرار والضمائر هو اللّه تعالى ، وإخلاص القلب لا يعلمه إلا اللّه ، فلهذا السبب خص تعالى نفسه بالذكر . الخامس : لما وجب أن يكون رضا الرسول مطابقا لرضا اللّه تعالى وامتنع حصول المخالفة بينهما وقع الاكتفاء بذكر أحدهما كما يقال : إحسان زيد وإجماله نعشنى وجبرني . السادس : التقدير : واللّه أحق أن يرضوه ورسوله كذلك وقوله : إِنْ كانُوا مُؤْمِنِينَ فيه قولان : الأول : إن كانوا مؤمنين على ما ادعوا . والثاني : أنهم كانوا عالمين بصحة دين الرسول إلا أنهم أصروا على الكفر حسدا وعنادا ، فلهذا المعنى قال تعالى : إِنْ كانُوا مُؤْمِنِينَ وفي الآية دلالة على رضا اللّه لا يحصل بإظهار الإيمان ، ما لم يقترن به التصديق بالقلب ، ويبطل قول الكرامية الذين يزعمون أن الإيمان ليس إلا القول باللسان . [ سورة التوبة ( 9 ) : آية 63 ] أَ لَمْ يَعْلَمُوا أَنَّهُ مَنْ يُحادِدِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَأَنَّ لَهُ نارَ جَهَنَّمَ خالِداً فِيها ذلِكَ الْخِزْيُ الْعَظِيمُ ( 63 ) اعلم أن المقصود من هذه الآية أيضا ، شرح أحوال المنافقين الذين تخلفوا عن غزوة تبوك وفي الآية مسائل : المسألة الأولى : قال أهل المعاني : قوله : ا لم تعلم خطاب لمن حاول الإنسان تعليمه مدة وبالغ في ذلك التعليم ثم إنه لم يعلم فيقال له : ألم تعلم بعد هذه الساعات الطويلة والمدة المديدة ، وإنما حسن ذلك لأنه طال مكث رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم معهم ، وكثرت نهاياته للتحذير عن معصية اللّه والترغيب في طاعته ، فالضمير في قوله : أَنَّهُ مَنْ يُحادِدِ اللَّهَ ضمير الأمر والشأن ، والمعنى : أن الأمر والشأن كذا وكذا . والفائدة في هذا الضمير هو أنه لو ذكر بعد كلمة ( أن ) ذلك المبتدأ والخبر لم يكن له كثير وقع . فأما إذا قلت الأمر والشأن كذا وكذا أوجب مزيد تعظيم وتهويل لذلك الكلام . وقوله : مَنْ يُحادِدِ اللَّهَ قال الليث : حاددته أي خالفته ، والمحاددة كالمجانبة والمعاداة والمخالفة ، واشتقاقه من الحد ، ومعنى حاد فلان فلانا ، أي صار في حد غير حده كقوله : شاقه أي صار / في شق غير شقه ، ومعنى يُحادِدِ اللَّهَ أي يصير في حد غير حد أولياء اللّه بالمخالفة . وقال أبو مسلم : المحادة مأخوذة من الحديد حديد السلاح ، ثم للمفسرين هاهنا عبارات : يخالف اللّه ، وقيل يحارب اللّه ، وقيل يعاند اللّه . وقيل يعاد اللّه . ثم قال : فَأَنَّ لَهُ نارَ جَهَنَّمَ وفيه وجوه : الأول : التقدير : فحق أن له نار جهنم . الثاني : معناه فله نار جهنم ، وإن تكرر للتوكيد . الثالث : أن نقول جواب ( من ) محذوف ، والتقدير : ألم يعلموا أنه من يحادد اللّه ورسوله يهلك فأن له نار جهنم . قال الزجاج : ويجوز كسر ( إن ) على الاستئناف من بعد الفاء والقراءة بالفتح . ونقل الكعبي في « تفسيره » أن القراءة بالكسر موجودة . قال أبو مسلم جهنم من أسماء النار ، وأهل اللغة يحكون عن العرب أن البئر البعيدة القعر تسمى الجهنام عندهم ، فجاز في جهنم أن تكون مأخوذة من هذا اللفظ ، ومعنى