فخر الدين الرازي
87
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
ولا يدفع إليهم ولا يمكنوا من التصرف في ذلك النصيب كيف شاؤوا ، بل يوضع في الرقاب بأن يؤدي عنهم ، وكذا القول في الغارمين يصرف المال في قضاء ديونهم ، وفي الغزاة يصرف المال إلى إعداد ما يحتاجون إليه في الغزو وابن السبيل كذلك . والحاصل : أن في الأصناف الأربعة الأول ، يصرف المال إليهم حتى يتصرفوا فيه كما شاؤوا ، وفي الأربعة الأخيرة لا يصرف المال إليهم ، بل يصرف إلى جهات الحاجات المعتبرة في الصفات التي لأجلها استحقوا سهم الزكاة . الصنف السادس : قوله تعالى : وَالْغارِمِينَ قال الزجاج : أصل الغرم في اللغة لزوم ما يشق والغرام العذاب اللازم ، وسمي العشق غراما لكونه أمرا شاقا ولازما ، ومنه : فلان مغرم بالنساء إذا كان مولعا بهن ، وسمي الدين غراما لكونه شاقا على الإنسان ولازما له ، فالمراد بالغارمين المديونون ، ونقول : الدين إن حصل بسبب معصية لا يدخل في الآية ، لأن المقصود من صرف / المال المذكور في الآية الإعانة ، والمعصية لا تستوجب الإعانة ، وإن حصل لا بسبب معصية فهو قسمان : دين حصل بسبب نفقات ضرورية أو في مصلحة ، ودين حصل بسبب حمالات وإصلاح ذات بين ، والكل داخل في الآية ، وروى الأصم في « تفسيره » أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم لما قضى بالغرة في الجنين ، قال العاقلة : لا نملك الغرة يا رسول اللّه قال لحمد بن مالك بن النابغة : « أعنهم بغرة من صدقاتهم » وكان حمد على الصدقة يومئذ . الصنف السابع : قوله تعالى : وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ قال المفسرون : يعني الغزاة . قال الشافعي رحمه اللّه : يجوز له أن يأخذ من مال الزكاة وإن كان غنيا وهو مذهب مالك وإسحاق وأبي عبيد . وقال أبو حنيفة وصاحباه رحمهم اللّه : لا يعطى الغازي إلا إذا كان محتاجا . واعلم أن ظاهر اللفظ في قوله : وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ لا يوجب القصر على كل الغزاة ، فلهذا المعنى نقل القفال في « تفسيره » عن بعض الفقهاء أنهم أجازوا صرف الصدقات إلى جميع وجوه الخير من تكفين الموتى وبناء الحصون وعمارة المساجد ، لأن قوله : وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ عام في الكل . والصنف الثامن : ابن السبيل قال الشافعي رحمه اللّه : ابن السبيل المستحق للصدقة وهو الذي يريد السفر في غير معصية فيعجز عن بلوغ سفره إلا بمعونة . قال الأصحاب : ومن أنشأ السفر من بلده لحاجة ، جاز أن يدفع إليه سهم ابن السبيل ، فهذا هو الكلام في شرح هذه الأصناف الثمانية . المسألة الخامسة : في أحكام هذه الأقسام . الحكم الأول اتفقوا على أن قوله : إِنَّمَا الصَّدَقاتُ دخل فيه الزكاة الواجبة ، لأن الزكاة الواجبة مسماة بالصدقة ، قال تعالى : خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ صَدَقَةً [ التوبة : 103 ] وقال عليه الصلاة والسلام : « ليس فيما دون خمسة ذود وليس فيما دون خمسة أوسق صدقة » واختلفوا في أنه هل تدخل فيها الصدقة المندوبة فمنهم من قال : تدخل فيها لأن لفظ الصدقة مختص بالمندوبة فإذا أدخلنا فيه الزكاة الواجبة فلا أقل من أن تدخل فيه أيضا الصدقة المندوبة وتكون الفائدة أن مصارف جميع الصدقات ليس إلا هؤلاء ، والأقرب أن المراد من لفظ الصدقات هاهنا هو