فخر الدين الرازي

82

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

الطوائف ، بل اتفقوا على أن المراد إثبات مجموع الغنيمة لهؤلاء الأصناف ، فإما أن يكون كل جزء من أجزاء الغنيمة موزعا على كل هؤلاء فلا ، فكذا هاهنا مجموع الصدقات تكون لمجموع هذه الأصناف الثمانية . فإما أن يقال : إن صدقة زيد بعينها يجب توزيعها على هذه الأصناف الثمانية ، فاللفظ لا يدل عليه البتة . وأما العقل : فهو أن الحكم الثابت في مجموع لا يوجب ثبوته في كل جزء من أجزاء ذلك المجموع ، ولا يلزم أن لا يبقى فرق بين الكل وبين الجزء . فثبت بما ذكرنا أن لفظ الآية لا دلالة فيه على ما ذكره ، والذي يدل على صحة قولنا وجوه : الأول : أن الرجل الذي لا يملك إلا عشرين دينارا لما وجب عليه إخراج نصف دينار ، فلو كلفناه أن نجعله على أربعة وعشرين قسما لصار كل واحد من تلك الأقسام حقيرا صغيرا غير منتفع به في مهم معتبر . الثاني : أن هذا التوقيف لو كان معتبرا لكان أولى الناس برعايته أكابر الصحابة ، ولو كان الأمر كذلك لوصل هذا الخبر إلى عمر بن الخطاب وإلى ابن عباس وحذيفة وسائر الأكابر ، ولو كان كذلك لما خالفوا فيه ، وحيث خالفوا فيه علمنا أنه غير معتبر . الثالث : وهو أن الشافعي رحمه اللّه له اختلاف رأي في جواز نقل الصدقات أما لم يقل أحد بوجوب نقل الصدقات ، فالإنسان إذا كان في بعض القرى ولا يكون هناك مكاتب ولا مجاهد غاز ولا عامل ولا أحد من المؤلفة ، ولا يمر به أحد من الغرباء ، واتفق أنه لم يحضر في تلك القرية من كان مديونا فكيف تكليفه ؟ فإن قلنا : وجب عليه أن يسافر بما وجب عليه / من الزكاة إلى بلد يجد هذه الأصناف فيه ، فذاك قول لم يقل به أحد ! وإذا أسقطنا عنه ذلك فحينئذ يصح قولنا فهذا ما نقوله في هذا الباب . واللّه أعلم . المسألة الرابعة : في تعريف الأصناف الثمانية ، فالأول والثاني هم الفقراء والمساكين ، ولا شك أنهم هم المحتاجون الذي لا يفي خرجهم بدخلهم . ثم اختلفوا فقال بعضهم : الذي يكون أشد حاجة هو الفقير ، وهو قول الشافعي رحمه اللّه وأصحابه . وقال آخرون : الذي أشد حاجة هو المسكين ، وهو قول أبي حنيفة وأصحابه رحمهم اللّه ، ومن الناس من قال : لا فرق بين الفقراء والمساكين ، واللّه تعالى وصفهم بهذين الوصفين ، والمقصود شيء واحد وهو قول أبي يوسف ومحمد رحمهما اللّه ، واختيار أبي علي الجبائي ، وفائدته تظهر في هذه المسألة ، وهو أنه لو أوصى لفلان وللفقراء والمساكين ، فالذين قالوا : الفقراء غير المساكين قالوا لفلان الثلث ، والذين قالوا : الفقراء هم المساكين قالوا الفلان النصف . وقال الجبائي : إنه تعالى ذكرهم باسمين لتوكيد أمرهم في الصدقات لأنهم هم الأصول في الأصناف الثمانية . وأيضا الفائدة فيه أن يصرف إليهم من الصدقات سهمان لا كسائرهم . واعلم أن فائدة هذا الاختلاف لا تظهر في تفرقة الصدقات وإنما تظهر في الوصايا ، وهو أن رجلا لو قال : أوصيت للفقراء بمائتين وللمساكين بخمسين ، وجب دفع المائتين عند الشافعي رحمه اللّه من كان أشد حاجة ، وعند أبي حنيفة رحمه اللّه إلى من كان أقل حاجة ، وحجة الشافعي رحمه اللّه وجوه : الوجه الأول : أنه تعالى إنما أثبت الصدقات لهؤلاء الأصناف دفعا لحاجتهم وتحصيلا لمصلحتهم ، وهذا يدل على أن الذي وقع الابتداء بذكره يكون أشد حاجة ، لأن الظاهر وجوب تقديم الأهم على المهم ألا ترى أنه يقال : أبو بكر وعمر ومن فضل عثمان على علي عليه السلام قال في ذكرهما عثمان وعلي ، ومن فضل عليا على عثمان يقول علي وعثمان ، وأنشد عمر قول الشاعر : كفى الشيب والإسلام للمرء ناهيا