فخر الدين الرازي
76
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
الصَّدَقاتِ لا يدل على أن ذلك اللمز كان لهذا السبب ، إلا أن الروايات التي ذكرناها دلت أن سبب اللمز هو ذلك ، ولولا هذه الروايات لكان يحتمل وجوها أخر سواها . فأحدها : أن يقولوا أخذ الزكوات مطلقا غير جائز ، لأن انتزاع كسب الإنسان من يده غير جائز . أقصى ما في الباب أن يقال : يأخذها ليصرفها إلى الفقراء إلا أن الجهال منهم كانوا يقولون إن اللّه تعالى أغنى الأغنياء ، فوجب أن يكون هو المتكفل بمصالح عبيده الفقراء : فأما أن يأمرنا بذلك فهو غير معقول . فهذا هو الذي حكاه اللّه تعالى عن بعض اليهود ، وهو أنهم قالوا : إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِياءُ وثانيها : أن يقولوا هب أنك تأخذ الزكوات إلا أن الذي تأخذه كثير ، فوجب أن تقنع بأقل من ذلك . وثالثها : أن يقولوا هب أنك تأخذ هذا الكثير إلا أنك تصرفه إلى غير مصرفه . وهذا هو الذي دلت الأخبار على أن القوم أرادوه . قال أهل المعاني : هذه الآية تدل على ركاكة أخلاق أولئك المنافقين ودناءة طباعهم ، وذلك لأنه لشدة شرههم إلى أخذ الصدقات عابوا الرسول فنسبوه إلى الجور في القسمة ، مع أنه كان أبعد خلق اللّه تعالى عن الميل إلى الدنيا . قال الضحاك : كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يقسم بينهم ما آتاه اللّه من قليل المال وكثيره ، وكان المؤمنون يرضون بما أعطوا ويحمدون اللّه عليه . وأما المنافقون : فإن أعطوا كثيرا فرحوا وإن أعطوا قليلا سخطوا ، وذلك يدل على أن رضاهم وسخطهم لطلب النصيب لا لأجل الدين . وقيل : إن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم كان يستعطف قلوب أهل مكة يومئذ بتوفر الغنائم عليهم ، فسخط المنافقون . وقوله : إِذا هُمْ يَسْخَطُونَ كلمة إِذا للمفاجأة ، أي وإن لم يعطوا منها فاجؤا السخط . ثم قال : وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا الآية والمعنى : ولو أنهم رضوا بما أعطاهم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم من الغنيمة وطابت نفوسهم وإن قل ، وقالوا : كفانا ذلك وسيرزقنا اللّه غنيمة أخرى ، فيعطينا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أكثر مما أعطانا اليوم ، إنا إلى طاعة اللّه وإفضاله وإحسانه لراغبون . واعلم أن جواب « لو » محذوف ، والتقدير : لكان خيرا لهم وأعود عليهم ، وذلك لأنه غلب / عليهم النفاق ولم يحضر الإيمان في قلوبهم ، فيتوكلوا على اللّه حق توكله ، وترك الجواب في هذا المعرض أدل على التعظيم والتهويل ، وهو كقولك للرجل : لو جئتنا ، ثم لا تذكر الجواب ، أي لو فعلت ذلك لرأيت أمرا عظيما . المسألة الثالثة : الآية تدل على أن من طلب الدنيا آل أمره في الدين إلى النفاق . وأما من طلب الدنيا بقدر ما أذن اللّه فيه ، وكان غرضه من الدنيا أن يتوسل إلى مصالح الدين فهذا هو الطريق الحق ، والأصل في هذا الباب أن يكون راضيا بقضاء اللّه ، ألا ترى أنه قال : وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا ما آتاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَقالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ سَيُؤْتِينَا اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ إِنَّا إِلَى اللَّهِ راغِبُونَ فذكر فيه مراتب أربعة : المرتبة الأولى : الرضا بما آتاهم اللّه ورسوله لعلمه بأنه تعالى حكيم منزه عن العبث والخطأ ، وحكيم بمعنى أنه عليم بعواقب الأمور ، وكل ما كان حكما له وقضاء كان حقا وصوابا ولا اعتراض عليه . والمرتبة الثانية : أن يظهر آثار ذلك الرضا على لسانهم ، وهو قوله : وَقالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ يعني أن غيرنا أخذوا المال ونحن لما رضينا بحكم اللّه وقضائه فقد فزنا بهذه المرتبة العظيمة في العبودية ، فحسبنا اللّه . المرتبة الثالثة : وهي أن الإنسان إذا لم يبلغ إلى تلك الدرجة العالية التي عندها يقول : حَسْبُنَا اللَّهُ نزل