فخر الدين الرازي

71

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

والتوحيد . وقرأ السلمي أن يقبل منهم نفقاتهم على إسناد الفعل إلى اللّه عز وجل . [ سورة التوبة ( 9 ) : آية 55 ] فَلا تُعْجِبْكَ أَمْوالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِها فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كافِرُونَ ( 55 ) [ في قوله تعالى فَلا تُعْجِبْكَ أَمْوالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ ] اعلم أنه تعالى لما قطع في الآية الأولى رجاء المنافقين عن جميع منافع الآخرة ، بين أن الأشياء التي يظنونها من باب المنافع في الدنيا ، فإنه تعالى جعلها أسباب تعظيمهم في الدنيا ، وأسباب اجتماع المحن والآفات عليهم ، ومن تأمل في هذه الآيات عرف أنها مرتبة على أحسن الوجوه ، فإنه تعالى لما بين قبائح أفعالهم وفضائح أعمالهم ، بين مالهم في الآخرة من العذاب الشديد ومالهم في الدنيا من وجوه المحنة والبلية ، ثم بين بعد ذلك أن ما يفعلونه من أعمال البر لا ينتفعون به يوم القيامة البتة . ثم بين في هذه الآية أن ما يظنون أنه من منافع الدنيا فهو في الحقيقة سبب لعذابهم وبلائهم وتشديد المحنة عليهم ، وعند هذا يظهر أن النفاق جالب لجميع الآفات في الدين والدنيا ، ومبطل لجميع الخيرات في الدين والدنيا ، وإذا وقف الإنسان على هذا الترتيب عرف أنه لا يمكن ترتيب الكلام على وجه أحسن من هذا . ومن اللّه التوفيق . وفيه مسائل : المسألة الأولى : هذا الخطاب ، وإن كان في الظاهر مختصا بالرسول عليه السلام ، إلا أن المراد منه كل المؤمنين ، أي لا ينبغي أن تعجبوا بأموال هؤلاء المنافقين والكافرين ، ولا بأولادهم ولا بسائر نعم اللّه عليهم ، ونظيره قوله تعالى : وَلا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ [ طه : 131 ] الآية . المسألة الثانية : الإعجاب : السرور بالشيء كه مع نوع الافتخار به ، ومع اعتقاد أنه ليس لغيره ما يساويه ، وهذه الحالة تدل على استغراق النفس في ذلك الشيء وانقطاعها عن اللّه ، فإنه لا يبعد في حكم اللّه أن يزيل ذلك الشيء عن ذلك الإنسان ويجعله لغيره ، والإنسان متى كان متذكرا لهذا المعنى زال إعجابه بالشيء ، ولذلك قال عليه السلام : « ثلاث مهلكات شح مطاع وهوى متبع وإعجاب المرء بنفسه » و كان عليه السلام يقول : « هلك المكثرون » و قال عليه السلام : « ما لك من مالك / إلا ما أكلت فأفنيت أو لبست فأبليت أو تصدقت فأمضيت » و ذكر عبيد بن عمير ، ورفعه إلى الرسول عليه السلام : « من كثر ماله اشتد حسابه ، ومن كثر بيعه كثرت شياطينه ، ومن ازداد من السلطان قربا ، ازداد من اللّه بعدا » والأخبار المناسبة لهذا الباب كثيرة ، والمقصود منها الزجر عن الارتكان إلى الدنيا ، والمنع من التهالك في حبها والافتخار بها . قال بعض المحققين : الموجودات بحسب القسمة العقلية على أربعة أقسام : الأول : الذي يكون أزليا أبديا ، وهو اللّه جل جلاله والثاني : الذي لا يكون أزليا ولا أبديا وهو الدنيا . والثالث : الذي يكون أزليا ولا يكون أبديا وهذا محال الوجود ، لأنه ثبت بالدليل أن ما ثبت قدمه امتنع عدمه . والرابع : الذي يكون أبديا ولا يكون أزليا وهو الآخرة وجميع المكلفين ، فإن الآخرة لها أول ، لكن لا آخر لها ، وكذلك المكلف سواء كان مطيعا أو كان عاصيا فلحياته أول ، ولا آخر لها . وإذا ثبت هذا ثبت أن المناسبة الحاصلة بين الإنسان المكلف وبين الآخرة أشد من المناسبة بينه وبين الدنيا ، ويظهر من هذا أنه خلق للآخرة لا للدنيا ، فينبغي أن لا يشتد عجبه بالدنيا ، وأن لا يميل قلبه إليها فإن المسكن الأصلي له هو الآخرة لا الدنيا . أما قوله : إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِها فِي الْحَياةِ الدُّنْيا ففيه مسائل :