فخر الدين الرازي
6
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
واللواط وسائر القبائح إنما حصلت بأقدار اللَّه تعالى وتيسيره ، ثم لا يجوز أن يقال : يا مسهل الزنا واللواط ، ويا دافع الموانع عنها ، فكذا هنا ، أما قوله إن المراد إذن الأقدار فنقول هذا صرف للكلام عن ظاهره ، وذلك لا يجوز إلا لدليل قاهر ، والدليل القاهر من جانبنا هاهنا ، فإن الفعل لا يصدر إلا عند الداعية الحاصلة ، وحصول تلك الداعية ليس إلا من اللَّه تعالى . وثانيها : قوله تعالى : وَيُخْزِهِمْ معناه : ما ينزل بهم من الذل والهوان حيث شاهدوا أنفسهم مقهورين في أيدي المؤمنين ذليلين مهينين . قال الواحدي : قوله : وَيُخْزِهِمْ أي بعد قتلكم إياهم ، وهذا يدل على أن هذا الإخزاء إنما وقع بهم في الآخرة ، وهذا ضعيف لما بينا أن الإخزاء واقع في الدنيا . وثالثها : قوله تعالى : وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ والمعنى أنه لما حصل الخزي لهم بسبب كونهم مقهورين فقد حصل النصر للمسلمين بسبب كونهم قاهرين . فإن قالوا : لما كان حصول ذلك الخزي مستلزما لحصول هذا النصر ، كان إفراده بالذكر عبثا فنقول : ليس الأمل كذلك ، لأنه من المحتمل أن يحصل الخزي لهم من جهة المؤمنين ، إلا أن المؤمنين يحصل لهم آفة بسبب آخر فلما قال : وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ دل على أنهم ينتفعون بهذا النصر والفتح والظفر . ورابعها : قوله : وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ وقد ذكرنا أن خزاعة أسلموا ، فأعانت قريش بني بكر عليهم حتى نكلوا بهم ، فشفى اللَّه صدورهم من بني بكر ، ومن المعلوم أن من طال تأذيه من خصمه ، ثم مكنه اللَّه منه على أحسن الوجوه فإنه يعظم سروره به ، ويصير ذلك سببا لقوة النفس ، وثبات العزيمة . وخامسها : قوله : وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ . ولقائل أن يقول : قوله : وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ معناه أنه يشفي من ألم الغيظ وهذا هو عين إذهاب الغيظ ، فكان قوله : وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ تكرار . والجواب : أنه تعالى وعدهم بحصول هذا الفتح فكانوا في زحمة الانتظار ، كما قيل الانتظار الموت الأحمر ، فشفى صدورهم من زحمة الانتظار ، وعلى هذا الوجه يظهر الفرق بين قوله : وَيَشْفِ / صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ وبين قوله : وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ فهذه هي المنافع الخمسة التي ذكرها اللَّه تعالى في هذا القتال ، وكلها ترجع إلى تسكين الدواعي الناشئة من القوة الغضبية ، وهي التشفي ودرك الثأر وإزالة الغيظ ، ولم يذكر تعالى فيها وجدان الأموال والفوز بالمطاعم والمشارب وذلك لأن العرب قوم جبلوا على الحمية والأنفة ، فرغبهم في هذه المعاني لكونها لائقة بطباعهم ، بقي هاهنا مباحث : البحث الأول : أن هذه الأوصاف مناسبة لفتح مكة ، لأن ذلك جرى في تلك الواقعة مشاكل لهذه الأحوال ، ولهذا المعنى جاز أن يقال : الآية واردة فيه . البحث الثاني : الآية دالة على المعجزة لأنه تعالى أخبر عن حصول هذه الأحوال ، وقد وقعت موافقة لهذه الأخبار فيكون ذلك إخبارا عن الغيب ، والإخبار عن الغيب معجز . البحث الثالث : هذه الآية تدل على كون الصحابة مؤمنين في علم اللَّه تعالى إيمانا حقيقيا لأنها تدل على أن قلوبهم كانت مملوءة من الغضب ، ومن الحمية لأجل الدين ، ومن الرغبة الشديدة في علو دين الإسلام ، وهذه الأحوال لا تحصل إلا في قلوب المؤمنين .