فخر الدين الرازي
54
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
ما كان خائفا ، لقالوا إنه فرح بسبب وقوع الرسول في البلاء ، ولما خاف وبكى قالوا : هذا السؤال الركيك ، وذلك يدل على أنهم لا يطلبون الحق ، وإنما مقصودهم محض الطعن ! والجواب عن الثاني : أن الذي قالوه أخس من شبهات السوفسطائية ، فإن أبا بكر لو كان قاصدا له ، لصاح بالكفار عند وصولهم إلى باب الغار ، وقال لهم نحن هاهنا ، ولقال ابنه وابنته عبد الرحمن وأسماء للكفار نحن نعرف مكان محمد فندلكم عليه ، فنسأل اللّه العصمة من عصبية تحمل الإنسان على مثل هذا الكلام الركيك . والجواب عن الثالث من وجوه : الأول : أنا لا ننكر أن اضطجاع علي بن أبي طالب في تلك الليلة المظلمة على فراش رسول اللّه طاعة عظيمة ومنصب رفيع ، إلا أنا ندعي أن أبا بكر بمصاحبته كان حاضرا في خدمة الرسول صلى اللّه عليه وسلّم ، وعلي كان غائبا ، والحاضر أعلى حالا من الغائب . الثاني : أن عليا ما تحمل المحنة إلا في تلك الليلة ، أما بعدها لما عرفوا أن محمدا غاب تركوه ، ولم يتعرضوا له . أما أبو بكر ، فإنه بسبب كونه مع محمد عليه الصلاة والسلام ثلاثة أيام في الغار كان في أشد أسباب المحنة ، فكان بلاؤه أشد . الثالث : أن أبا بكر رضي اللّه عنه كان مشهورا فيما بين الناس بأنه يرغب الناس في دين محمد عليه الصلاة والسلام ويدعوهم إليه ، وشاهدوا منه أنه دعا جمعا من أكابر الصحابة رضي اللّه عنهم إلى ذلك الدين ، وأنهم إنما قبلوا ذلك الدين بسبب دعوته ، وكان يخاصم الكفار بقدر الإمكان ، وكان يذب عن الرسول صلى اللّه عليه وسلّم بالنفس والمال . وأما علي بن أبي طالب رضي اللّه عنه ، فإنه كان في ذلك الوقت صغير السن ، وما ظهر منه دعوة لا بالدليل والحجة ، ولا جهاد بالسيف والسنان ، لأن محاربته مع الكفار إنما ظهرت بعد انتقالهم إلى المدينة بمدة مديدة ، فحال الهجرة ما ظهر منه شيء من هذه الأحوال ، وإذا كان كذلك كان غضب الكفار على أبي بكر لا محالة أشد من غضبهم على علي ، ولهذا السبب ، فإنهم لما عرفوا أن المضطجع على ذلك الفراش هو علي / لم يتعرضوا له البتة ، ولم يقصدوه بضرب ولا ألم ، فعلمنا أن خوف أبي بكر على نفسه في خدمة محمد صلى اللّه عليه وسلّم أشد من خوف علي كرم اللّه وجهه ، فكانت تلك الدرجة أفضل وأكمل . هذا ما نقوله في هذا الباب على سبيل الاختصار . أما قوله تعالى : وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْها فاعلم أن تقدير الآية أن يقال : إِلَّا تَنْصُرُوهُ فلا بد له ذلك بدليل صورتين . الصورة الأولى : أنه قد نصره في واقعة الهجرة إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُما فِي الْغارِ إِذْ يَقُولُ لِصاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنا فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ . والصورة الثانية : واقعة بدر ، وهي المراد من قوله : وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْها لأنه تعالى أنزل الملائكة يوم بدر ، وأيد رسوله صلى اللّه عليه وسلّم بهم ، فقوله : وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْها معطوف على قوله : فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا . ثم قال تعالى : وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيا والمعنى أنه تعالى جعل يوم بدر كلمة الشرك سافلة دنيئة حقيرة ، وكلمة اللّه هي العليا ، وهي قوله لا إله إلا اللّه . قال الواحدي : والاختيار في قوله : وَكَلِمَةُ اللَّهِ الرفع ، وهي قراءة العامة على الاستئناف ، قال الفراء ، ويجوز كَلِمَةُ اللَّهِ بالنصب ، ولا