فخر الدين الرازي

46

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

إيمانا قال المصنف رضي اللّه عنه : هذا الاستدلال ضعيف ، لأنا بينا أنه تعالى لما أوجب عليهم إيقاع الحج في شهر ذي الحجة مثلا من الأشهر القمرية ، فإذا اعتبرنا السنة الشمسية ، فربما وقع الحج في المحرم مرة وفي صفر أخرى . فقولهم : بأن هذا الحج صحيح يجزى ، وأنه لا يجب عليهم إيقاع الحج في شهر ذي الحجة إن كان منهم بحكم علم بالضرورة كونه من دين إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام ، فكان هذا كفرا بسبب عدم العلم وبسبب عدم الإقرار . أما قوله تعالى : يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا فهذا قراءة العامة وهي حسنة لإسناد الضلال إلى الذين كفروا لأنهم إن كانوا ضالين في أنفسهم فقد حسن إسناد الضلال إليهم ، وإن كانوا مضلين لغيرهم حسن أيضا ، لأن المضل لغيره ضال في نفسه لا محال . وقراءة أهل الكوفة يُضَلُّ بضم الياء وفتح الضاد ، ومعناه : أن كبراءهم يضلونهم بحملهم على هذا التأخير في الشهور ، فأسند الفعل إلى المفعول كقوله في هذه الآية : زُيِّنَ لَهُمْ سُوءُ أَعْمالِهِمْ أي زين لهم ذلك حاملوهم عليه . وقرأ أبو عمرو في رواية من طريق ابن مقسم يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا بضم الياء وكسر الضاد وله ثلاثة أوجه : / أحدها : يضل اللّه به الذين كفروا . والثاني : يضل الشيطان به الذين كفروا . والثالث : وهو أقواها يضل به الذين كفروا تابعيهم والآخذين بأقوالهم ، وإنما كان هذا الوجه أقوى لأنه لم يجر ذكر اللّه ولا ذكر الشيطان . واعلم أن الكناية في قوله : يُضَلُّ بِهِ يعود إلى النسيء . وقوله : يُحِلُّونَهُ عاماً وَيُحَرِّمُونَهُ عاماً فالضمير عائد إلى النسيء والمعنى : يحلون ذلك الإنساء عاما ويحرمونه عاما . قال الواحدي : يحلون التأخير عاما وهو العام الذي يريدون أن يقاتلوا في المحرم ، ويحرمون التأخير عاما آخر وهو العام الذي يدعون المحرم على تحريمه . قال رضي اللّه عنه هذا التأويل إنما يصح إذا فسرنا النسيء بأنهم كانوا يؤخرون المحرم في بعض السنين ، وذلك يوجب أن ينقلب الشهر المحرم إلى الحل وبالعكس ، إلا أن هذا إنما يصلح لو حملنا النسيء على المفعول وهو المنسوء المؤخر ، وقد ذكرنا أنه مشكل لأنه يقتضي أن يكون الشهر المؤخر كفرا وأنه غير جائز إلا إذا قلنا إن المراد من النسيء المنسوء وهو المفعول ، وحملنا قوله : إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيادَةٌ فِي الْكُفْرِ على أن المراد العمل الذي به يصير النسيء سببا في زيادة الكفر ، وبسبب هذا الإضمار يقوى هذا التأويل . أما قوله : لِيُواطِؤُا عِدَّةَ ما حَرَّمَ اللَّهُ [ إلى آخر الآية ] قال أهل اللغة يقال : واطأت فلانا على كذا إذا وافقته عليه . قال المبرد : يقال : تواطأ القوم على كذا إذا اجتمعوا عليه ، كان كل وأحد يطأ حيث يطأ صاحبه والإيطاء في الشعر من هذا وهو أن يأتي في القصيدة بقافيتين على لفظ وأحد ، ومعنى واحد . قال ابن عباس رضي اللّه عنهما : إنهم ما أحلوا شهرا من الحرام إلا حرموا مكانه شهرا من الحلال ، ولم يحرموا شهرا من الحلال إلا أحلوا مكانه شهرا من الحرام ، لأجل أن يكون عدد الأشهر الحرم أربعة ، مطابقة لما ذكره اللّه تعالى ، هذا هو المراد من المواطأة ولما بين تعالى كون هذا العمل كفرا ومنكرا قال : زُيِّنَ لَهُمْ سُوءُ أَعْمالِهِمْ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ قال ابن عباس والحسن : يريد زين لهم الشيطان هذا العمل واللّه لا يرشد كل كفار أثيم . [ سورة التوبة ( 9 ) : آية 38 ] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ما لَكُمْ إِذا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ أَ رَضِيتُمْ بِالْحَياةِ الدُّنْيا مِنَ الْآخِرَةِ فَما مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا فِي الْآخِرَةِ إِلاَّ قَلِيلٌ ( 38 )