فخر الدين الرازي
41
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
وإسماعيل عليهما الصلاة والسلام فأما عند اليهود والنصارى ، فليس كذلك . ثم إن بعض العرب تعلم صفة الكبيسة من اليهود والنصارى ، فأظهر ذلك في بلاد العرب . المسألة الثانية : قال أبو علي الفارسي : لا يجوز أن يتعلق قوله في كتاب اللّه بقوله : عِدَّةَ الشُّهُورِ لأنه يقتضي الفصل بين الصلة والموصول بالخبر الذي هو قوله : اثْنا عَشَرَ شَهْراً وأنه لا يجوز . وأقول في إعراب هذه الآية وجوه : الأول : أن نقول قوله : عِدَّةَ الشُّهُورِ مبتدأ وقوله : / اثْنا عَشَرَ شَهْراً خبر . وقوله : عِنْدَ اللَّهِ في كتاب اللّه يَوْمَ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ ظروف أبدل البعض من البعض ، والتقدير : إن عدة الشهور اثنا عشر شهرا عند اللّه في كتاب اللّه يوم خلق السماوات والأرض . والفائدة في ذكر هذه الإبدالات المتوالية تقرير أن ذلك العدد واجب متقرر في علم اللّه ، وفي كتاب اللّه من أول ما خلق اللّه تعالى العالم . الثاني : أن يكون قوله تعالى : فِي كِتابِ اللَّهِ متعلقا بمحذوف يكون صفة للخبر تقديره : اثنا عشر شهرا مثبتة في كتاب اللّه ، ثم لا يجوز أن يكون المراد بهذا الكتاب كتاب من الكتب ، لأنه متعلق بقوله : يَوْمَ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ مِنْها أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ وأسماء الأعيان لا تتعلق بالظروف ، فلا تقول : غلامك يوم الجمعة ، بل الكتاب هاهنا مصدر والتقدير : إن عدة الشهور عند اللّه اثنا عشر شهرا في كتاب اللّه ، أي في حكمه الواقع يوم خلق السماوات . والثالث : أن يكون الكتاب اسما وقوله : يَوْمَ خَلَقَ السَّماواتِ متعلق بفعل محذوف والتقدير : إن عدة الشهور عند اللّه اثنا عشر شهرا مكتوبا في كتاب اللّه كتبه يوم خلق السماوات والأرض . المسألة الثالثة : في تفسير أحكام الآية : إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ أي في علمه اثْنا عَشَرَ شَهْراً فِي كِتابِ اللَّهِ وفي تفسير كتاب اللّه وجوه : الأول : قال ابن عباس : إن اللوح المحفوظ الذي كتب فيه أحوال مخلوقاته بأسرها على التفصيل ، وهو الأصل للكتب التي أنزلها اللّه على جميع الأنبياء عليهم السلام . الثاني : قال بعضهم : المراد من الكتاب القرآن ، وقد ذكرنا آيات تدل على أن السنة المعتبرة في دين محمد صلى اللّه عليه وسلّم هي السنة القمرية وإذا كان كذلك كان هذا الحكم مكتوبا في القرآن . الثالث : قال أبو مسلم : فِي كِتابِ اللَّهِ أي فيما أوجبه وحكم به ، والكتاب في هذا الموضع هو الحكم والإيجاب ، كقوله تعالى : كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتالُ * [ البقرة : 216 ] كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصاصُ [ البقرة : 178 ] كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ [ الأنعام : 54 ] قال القاضي : هذا الوجه بعيد ، لأنه تعالى جعل الكتاب في هذه الآية كالظرف ، وإذا حمل الكتاب على الحساب لم يستقم ذلك إلا على طريق المجاز ، ويمكن أن يجاب عنه : بأنه وإن كان مجازا ، إلا أنه مجاز متعارف يقال : إن الأمر كذا وكذا في حساب فلان وفي حكمه . وأما قوله : يَوْمَ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ فقد ذكرنا في المسألة الثانية وجوها فيما يتعلق به والأقرب ما ذكرناه في الوجه الثالث ، وهو أن يكون المراد أنه كتب هذا الحكم وحكم به يوم خلق السماوات والأرض ، والمقصود بيان أن هذا الحكم حكم محكوم به من أول خلق العالم ، وذلك يدل على المبالغة والتأكيد . وأما قوله : مِنْها أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ فقد أجمعوا على أن هذه الأربعة ثلاثة منها سرد ، وهي ذو القعدة ، وذو الحجة ، والمحرم ، وواحد فرد ، وهو رجب ، ومعنى الحرم : أن المعصية فيها أشد عقابا ، والطاعة فيها أكثر ثوابا ، والعرب كانوا يعظمونها جدا حتى لو لقي الرجل قاتل أبيه لم يتعرض له . فإن قيل : أجزاء الزمان متشابهة في الحقيقة ، فما السبب في هذا التمييز ؟ .