فخر الدين الرازي
29
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
واستخلف عليهم رجلا اسمه نسطور ، وعلمه أن عيسى ومريم والإله كانوا ثلاثة ، وتوجه إلى الروم وعلمهم اللاهوت والناسوت ، وقال : ما كان عيسى إنسانا ولا جسما ولكنه اللّه ، وعلم رجلا آخر يقال له يعقوب ذلك ، ثم دعا رجلا يقال له ملكا فقال له : إن الإله لم يزل ولا يزال عيسى ، ثم دعا لهؤلاء الثلاثة وقال لكل واحد منهم أنت خليفتي فادع الناس إلى إنجيلك ، ولقد رأيت عيسى في المنام ورضي عني ، وإني غدا أذبح نفس لمرضاة عيسى ، ثم دخل المذبح فذبح نفسه ، ثم دعا كل واحد من هؤلاء الثلاثة الناس إلى قوله ومذهبه ، فهذا هو السبب في وقوع هذا الكفر في طوائف النصارى ، هذا ما حكاه الواحدي رحمه اللّه تعالى ، والأقرب عندي أن يقال لعله ورد لفظ الابن في الإنجيل على سبيل التشريف ، كما ورد لفظ الخليل في حق إبراهيم على سبيل التشريف ، ثم إن القوم لأجل عداوة اليهود ولأجل أن يقابلوا غلوهم الفاسد في أحد الطرفين بغلو فاسد في الطرف الثاني ، فبالغوا وفسروا لفظ الابن بالبنوة الحقيقية والجهال ، قبلوا ذلك ، وفشا هذا المذهب الفاسد في أتباع عيسى عليه السلام ، واللّه أعلم بحقيقة الحال . المسألة الثالثة : قرأ عاصم والكسائي وعبد الوارث عن أبي عمرو عُزَيْرٌ بالتنوين والباقون بغير التنوين . قال الزجاج : الوجه إثبات التنوين . فقوله : عُزَيْرٌ مبتدأ وقوله : ابْنُ اللَّهِ خبره ، وإذا كان كذلك فلا بد من التنوين في حال السعة لأن عزيرا ينصرف سواء كان أعجميا أو عربيا ، وسبب كونه منصرفا أمران : أحدهما : أنه اسم خفيف فينصرف ، وإن كان أعجميا كهود ولوط والثاني : أنه على صيغة التصغير وأن الأسماء الأعجمية لا تصغر ، وأما الذين تركوا التنوين فلهم فيه ثلاثة أوجه : الوجه الأول : أنه أعجمي ومعرفة ، فوجب أن لا ينصرف . الوجه الثاني : أن قوله : ابْنُ صفة والخبر محذوف والتقدير : عزير ابن اللّه معبودنا ، وطعن عبد القاهر الجرجاني في هذا الوجه في كتاب « دلائل الإعجاز » ، وقال الاسم إذا وصف بصفة ثم أخبر عنه فمن كذبه انصرف التكذيب إلى الخبر ، وصار ذلك الوصف مسلما فلما كان المقصود بالإنكار هو قولهم عزير ابن اللّه معبودنا ، لتوجه الإنكار إلى كونه معبودا لهم ، وحصل كونه ابنا للَّه ، ومعلوم أن ذلك كفر ، وهذا الطعن عندي ضعيف . أما قوله إن من أخبر عن ذات موصوفة بصفة بأمر من الأمور وأنكره منكر ، توجه الإنكار إلى الخبر فهذا مسلم . وأما قوله : ويكون ذلك تسليما لذلك الوصف فهذا ممنوع ، لأنه لا يلزم من كونه مكذبا لذلك الخبر بالتكذيب أن يدل على أن ما سواه لا يكذبه بل يصدقه ، وهذا بناء على دليل الخطاب وهو ضعيف لا سيما في مثل هذا المقام . الوجه الثالث : قال الفراء : نون التنوين ساكنة من عزير ، والباء في قوله : ابْنُ اللَّهِ ساكنة فحصل هاهنا التقاء الساكنين ، فحذف نون التنوين للتخفيف ، وأنشد الفراء : فألفيته غير مستعتب * ولا ذاكر اللّه إلا قليلا واعلم أنه لما حكى عنهم بهذه الحكاية قال : ذلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْواهِهِمْ . ولقائل أن يقول : إن كل قول إنما يقال بالفم فما معنى تخصيصهم لهذا القول بهذه الصفة . والجواب من وجوه : الأول : أن يراد به قول لا يعضده برهان فما هو إلا لفظ يفوهون به فارغ من معنى معتبر لحقه ، والحاصل أنهم قالوا باللسان قولا ، ولكن لم يحصل عند العقل من ذلك القول أثر ، لأن إثبات