فخر الدين الرازي

27

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

الْجِزْيَةَ يدل على أخذ شيء ، فهذا الذي قلناه هو القدر الأقل ، فيجوز أخذه والزائد عليه لم يدل عليه لفظ الجزية والأصل فيه الحرمة ، فوجب أن يبقى عليها . الحكم الرابع تؤخذ الجزية عند أبي حنيفة رحمه اللّه تعالى في أول السنة ، وعند الشافعي رحمه اللّه تعالى في آخرها . الحكم الخامس تسقط الجزية بالإسلام والموت عند أبي حنيفة رحمه اللّه ، لقوله عليه الصلاة والسلام : « ليس على المسلم جزية » وعند الشافعي رحمه اللّه لا تسقط . الحكم السادس قال أصحابنا : هؤلاء إنما أقروا على دينهم الباطل بأخذ الجزية حرمة لآبائهم الذين انقرضوا على الحق من شريعة التوراة والإنجيل وأيضا مكناهم من أيديهم ، فربما يتفكرون فيعرفون صدق محمد صلى اللّه عليه وسلّم ونبوته ، فأمهلوا لهذا المعنى واللّه أعلم . وبقي هاهنا سؤالان : السؤال الأول : كان ابن الراوندي يطعن في القرآن ويقول : إنه ذكر في تعظيم كفر النصارى قوله : تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبالُ هَدًّا * أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمنِ وَلَداً * وَما يَنْبَغِي لِلرَّحْمنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَداً [ مريم : 90 - 92 ] فبين أن إظهارهم لهذا القول بلغ إلى هذا الحد ، ثم إنه لما أخذ منهم دينارا واحدا قررهم عليه وما منعهم منه . والجواب : ليس المقصود من أخذ الجزية تقريره على الكفر ، بل المقصود منها حقن دمه وإمهاله مدة ، رجاء أنه ربما وقف في هذه المدة على محاسن الإسلام وقوة دلائله ، فينتقل من الكفر إلى الإيمان . السؤال الثاني : هل يكفي في حقن الدم دفع الجزية أم لا ؟ والجواب : أنه لا بد معه من إلحاق الذل والصغار للكفر والسبب فيه أن طبع العاقل ينفر عن تحمل الذل والصغار ، فإذا أمهل الكافر مدة وهو يشاهد عز الإسلام ويسمع دلائل صحته ، ويشاهد الذل والصغار في الكفر ، فالظاهر أنه يحمله ذلك على الانتقال إلى الإسلام ، فهذا هو المقصود من شرع الجزية . [ سورة التوبة ( 9 ) : آية 30 ] وَقالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقالَتِ النَّصارى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْواهِهِمْ يُضاهِؤُنَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ ( 30 ) [ في قوله تعالى وَقالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقالَتِ النَّصارى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْواهِهِمْ ] وفي الآية مسائل : المسألة الأولى : اعلم أنه تعالى لما حكم في الآية المتقدمة على اليهود والنصارى بأنهم لا يؤمنون باللَّه ، شرح ذلك في هذه الآية وذلك بأن نقل عنهم أنهم أثبتوا للَّه ابنا ، ومن جوز ذلك في حق الإله فهو في الحقيقة قد