فخر الدين الرازي
178
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
الصفة الأولى : قوله : مِنْ أَنْفُسِكُمْ وفي تفسيره وجوه : الأول : يريد أنه بشر مثلكم كقوله : أَ كانَ لِلنَّاسِ عَجَباً أَنْ أَوْحَيْنا إِلى رَجُلٍ مِنْهُمْ [ يونس : 2 ] وقوله : إِنَّما أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ * [ فصلت : 6 ] والمقصود أنه لو كان من جنس الملائكة لصعب الأمر بسببه على الناس ، على ما مر تقريره في سورة الأنعام . والثاني : مِنْ أَنْفُسِكُمْ أي من العرب قال ابن عباس : ليس في العرب قبيلة إلا وقد ولدت النبي عليه السلام بسبب الجدات ، مضرها وربيعها ويمانيها ، فالمضريون والربيعيون هم العدنانية ، واليمانيون هم القحطانية ونظيره قوله تعالى : لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ [ آل عمران : 164 ] والمقصود منه ترغيب العرب في نصرته ، والقيام بخدمته ، كأنه قيل لهم : كل ما يحصل له من الدولة والرفعة في الدنيا فهو سبب لعزكم ولفخركم ، لأنه منكم ومن نسبكم والثالث : مِنْ أَنْفُسِكُمْ خطاب لأهل الحرم ، وذلك لأن العرب كانوا يسمون أهل الحرم أهل اللّه وخاصته ، وكانوا يخدمونهم ويقومون بإصلاح مهماتهم فكأنه قيل للعرب : كنتم قبل مقدمه مجدين مجتهدين في خدمة أسلافه وآبائه ، فلم تتكاسلون في خدمته مع أنه لا نسبة له في الشرف والرفعة إلى أسلافه ؟ والقول الرابع : أن المقصود من ذكر هذه الصفة التنبيه على طهارته ، كأنه قيل : هو من عشيرتكم تعرفونه بالصدق والأمانة والعفاف والصيانة ، وتعرفون كونه حريصا على دفع الآفات عنكم وإيصال الخيرات إليكم ، وإرسال من هذه حالته وصفته يكون من أعظم نعم اللّه عليكم . وقرئ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أي من أشرفكم وأفضلكم ، وقيل : هي قراءة رسول اللّه وفاطمة وعائشة رضي اللّه عنهما . الصفة الثانية : قوله تعالى : عَزِيزٌ عَلَيْهِ ما عَنِتُّمْ اعلم أن العزيز هو الغالب الشديد ، والعزة هي الغلبة والشدة . فإذا وصلت مشقة إلى الإنسان عرف أنه كان عاجزا عن دفعها إذ لو قدر على دفعها لما قصر في ذلك الدفع ، فحيث لم يدفعها ، علم أنه كان عاجزا عن دفعها ، وأنها كانت غالبة على الإنسان . فلهذا السبب إذا اشتد على الإنسان شيء قال : عز علي هذا ، وأما العنت فيقال : عنت الرجل يعنت عنتا إذا وقع في مشقة وشدة لا يمكنه الخروج منها ، ومنه قوله تعالى : ذلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ [ النساء : 25 ] وقوله : وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَأَعْنَتَكُمْ [ البقرة : 220 ] وقال الفراء : ( ما ) في قوله : ما عَنِتُّمْ في موضع رفع ، والمعنى : عزيز عليه عنتكم ، أي يشق عليه مكروهكم ، وأولى المكاره بالدفع مكروه عقاب اللّه تعالى ، وهو إنما أرسل ليدفع هذا المكروه . والصفة الثالثة : قوله : حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ والحرص يمتنع أن يكون متعلقا بذواتهم ، بل المراد حريص على إيصال الخيرات إليكم في الدنيا والآخرة . واعلم أن على هذا التقدير يكون قوله : عَزِيزٌ عَلَيْهِ ما عَنِتُّمْ معناه : شديدة معزته عن وصول شيء من آفات الدنيا والآخرة إليكم ، وبهذا التقدير لا يتصل التكرار . قال الفراء : الحريص الشحيح ، ومعناه : أنه شحيح عليكم أن تدخلوا النار ، وهذا بعيد ، لأنه يوجب الخلو عن الفائدة . والصفة الرابعة والخامسة : قوله : بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ قال ابن عباس رضي اللّه عنهما : سماه اللّه تعالى باسمين من أسمائه . بقي هاهنا سؤالان :