فخر الدين الرازي
176
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
مرض ، فإنه عند ذلك يتذكر ذنوبه وموقفه بين يدي اللّه ، فيزيده ذلك إيمانا وخوفا من اللّه ، فيصير ذلك سببا لاستحقاقه لمزيد الرحمة والرضوان من عند اللّه . الثاني : قال مجاهد : يُفْتَنُونَ بالقحط والجوع . الثالث : قال قتادة : يفتنون بالغزو والجهاد فإنه تعالى أمر الغزو والجهاد فهم إن تخلفوا وقعوا في ألسنة الناس باللعن والخزي والذكر القبيح ، وإن ذهبوا إلى الغزو مع كونهم كافرين كانوا قد عرضوا أنفسهم للقتل وأموالهم للنهب من غير فائدة . الرابع : قال مقاتل : يفضحهم رسول اللّه بإظهار نفاقهم وكفرهم قيل : إنهم كانوا يجتمعون على ذكر الرسول بالطعن فكان جبريل عليه السلام ينزل عليه ويخبره بما قالوه فيه ، فكان يذكر تلك الحادثة لهم ويوبخهم عليها ، ويعظهم فما كانوا يتعظون ، ولا ينزجرون . [ سورة التوبة ( 9 ) : آية 127 ] وَإِذا ما أُنْزِلَتْ سُورَةٌ نَظَرَ بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ هَلْ يَراكُمْ مِنْ أَحَدٍ ثُمَّ انْصَرَفُوا صَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ ( 127 ) اعلم أن هذا نوع آخر من مخازي المنافقين ، وهو أنه كلما نزلت سورة مشتملة على ذكر المنافقين وشرح فضائحهم ، وسمعوها تأذوا من سماعها ، ونظر بعضهم إلى بعض نظرا مخصوصا دالا على الطعن في تلك السورة والاستهزاء بها وتحقير شأنها ، ويحتمل أن لا يكون ذلك مختصا بالسورة المشتملة على فضائح المنافقين بل كانوا يستخفون بالقرآن ، فكلما سمعوا سورة استهزءوا بها وطعنوا فيها ، وأخذوا في التغامز والتضاحك على سبيل الطعن والهزء ، ثم قال بعضهم لبعض : هل يراكم من أحد ؟ أي لو رآكم من أحد ؟ وهذا فيه وجوه : الأول : أن ذلك النظر دال على ما في الباطن من الإنكار الشديد والنفرة التامة ، فخافوا أن يرى أحد من المسلمين ذلك النظر وتلك الأحوال الدالة على النفاق والكفر ، فعند ذلك قالوا : هَلْ يَراكُمْ مِنْ أَحَدٍ أي لو رآكم أحد على هذا النظر وهذا الشكل لضركم / جدا ؟ والثاني : أنهم كانوا إذا سمعوا تلك السورة تأذوا من سماعها ، فأرادوا الخروج من المسجد ، فقال بعضهم لبعض : هَلْ يَراكُمْ مِنْ أَحَدٍ يعني إن رأوكم فلا تخرجوا ، إن كان ما رآكم أحد فأخرجوا من المسجد ، لتتخلصوا عن هذا الإيذاء . والثالث : هَلْ يَراكُمْ مِنْ أَحَدٍ يمكنكم أن تقولوا نحبه ، فوجب علينا الخروج من المسجد . قال تعالى : ثُمَّ انْصَرَفُوا يحتمل أن يكون المراد نفس هربهم من مكان الوحي واستماع القرآن ، ويجوز أن يراد به ، ثم انصرفوا عن استماع القرآن إلى الطعن فيه وإن ثبتوا في مكانهم . فإن قيل : ما التفاوت بين هذه الآية وبين الآية المتقدمة وهي قوله : وَإِذا ما أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زادَتْهُ هذِهِ إِيماناً . قلنا : في تلك الآية حكى عنهم أنهم ذكروا قولهم : أَيُّكُمْ زادَتْهُ هذِهِ إِيماناً وفي هذه الآية حكى عنهم أنهم اكتفوا بنظر بعضهم إلى بعض على سبيل الهزء ، وطلبوا الفرار . ثم قال تعالى : صَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ واحتج أصحابنا به على أنه تعالى صرفهم عن الإيمان وصدهم عنه وهو صحيح فيه ، قال ابن عباس رضي اللّه عنهما : عن كل رشد وخير وهدى ، وقال الحسن : صرف اللّه قلوبهم وطبع عليها بكفرهم ، وقال الزجاج : أضلهم اللّه تعالى ، قالت المعتزلة : لو كان تعالى هو الذي صرفهم عن الإيمان فكيف قال : أَنَّى يُصْرَفُونَ وكيف عاقبهم على الانصراف عن الإيمان ؟