فخر الدين الرازي

152

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

فالقول الأول : أن هذا الوعد الذي وعده للمجاهدين في سبيل اللّه وعد ثابت ، فقد أثبته اللّه في التوراة والإنجيل كما أثبته في القرآن . والقول الثاني : المراد أن اللّه تعالى بين في التوراة والإنجيل أنه اشترى من أمة محمد عليه الصلاة والسلام أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة ، كما بين في القرآن . والقول الثالث : أن الأمر بالقتال والجهاد هو موجود في جميع الشرائع . ثم قال تعالى : وَمَنْ أَوْفى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ والمعني : أن نقض العهد كذب . وأيضا أنه مكر وخديعة ، وكل ذلك من القبائح ، وهي قبيحة من الإنسان مع احتياجه إليها ، فالغني عن كل الحاجات أولى أن يكون منزها عنها . وقوله : وَمَنْ أَوْفى بِعَهْدِهِ استفهام بمعنى الإنكار ، أي لا أحد أوفى بما وعد من اللّه . ثم قال : فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بايَعْتُمْ بِهِ وَذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ واعلم أن هذه الآية مشتملة على أنواع من التأكيدات : فأولها : قوله : إِنَّ اللَّهَ اشْتَرى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوالَهُمْ فيكون المشتري هو اللّه المقدس عن الكذب والخيانة ، وذلك من أدل الدلائل على تأكيد هذا العهد . والثاني : أنه عبر عن إيصال هذا الثواب بالبيع والشراء ، وذلك حق مؤكد . وثالثها : قوله : وَعْداً ووعد اللّه حق . ورابعها : قوله : عَلَيْهِ وكلمة « على » للوجوب . وخامسها : قوله : حَقًّا وهو التأكيد للتحقيق . وسادسها : قوله : فِي التَّوْراةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وذلك يجري مجرى إشهاد جميع الكتب الإلهية وجميع الأنبياء والرسل على هذه المبايعة . وسابعها : قوله : وَمَنْ أَوْفى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ وهو غاية في التأكيد . وثامنها : قوله : فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بايَعْتُمْ بِهِ وهو أيضا مبالغة في التأكيد . وتاسعها : قوله : وَذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ وعاشرها : قوله : الْعَظِيمُ فثبت اشتمال هذه الآية على هذه الوجوه العشرة في التأكيد والتقرير والتحقيق . ونختم الآية بخاتمة وهي أن أبا القاسم البلخي استدل بهذه الآية على أنه لا بد من حصول الأعواض عن آلام الأطفال والبهائم . قال لأن الآية دلت على أنه لا يجوز إيصال ألم القتل وأخذ الأموال إلى البالغين إلا بثمن هو الجنة ، فلا جرم قال : إِنَّ اللَّهَ اشْتَرى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ فوجب أن يكون الحال كذلك في الأطفال والبهائم ، ولو جاز عليهم التمني لتمنوا أن آلامهم تتضاعف حتى تحصل لهم تلك / الأعواض الرفيعة الشريفة ، ونحن نقول : لا ننكر حصول الخيرات للأطفال والحيوانات في مقابلة هذه الآلام ، وإنما الخلاف وقع في أن ذلك العوض عندنا غير واجب ، وعندكم واجب ، والآية ساكتة عن بيان الوجوب . [ سورة التوبة ( 9 ) : آية 112 ] التَّائِبُونَ الْعابِدُونَ الْحامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَالْحافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ ( 112 ) اعلم أنه تعالى لما ذكر في الآية الأولى أنه اشْتَرى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ بين في هذه الآية أن أولئك المؤمنين هم الموصوفون بهذه الصفات التسعة . وفيه مسألتان : المسألة الأولى : في رفع قوله : التَّائِبُونَ الْعابِدُونَ الْحامِدُونَ السَّائِحُونَ وجوه : الأول : أنه رفع على المدح ، والتقدير : هم التائبون ، يعني المؤمنين المذكورين في قوله : اشْتَرى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ هم