فخر الدين الرازي
148
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
الذكر لأن قوله : لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوى هو كقول القائل ، لرجل صالح أحق أن تجالسه . فلا يكون ذلك مقصورا على واحد . فإن قيل : لم قال أحق أن تقوم فيه ، مع أنه لا يجوز قيامه في الآخر ؟ قلنا : المعنى أنه لو كان ذلك جائزا لكان هذا أولى ، للسبب المذكور . ثم قال تعالى : فِيهِ رِجالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ وفيه مباحث : البحث الأول : أنه تعالى رجح مسجد التقوى بأمرين : أحدهما : أنه بني على التقوى ، وهو الذي تقدم تفسيره . والثاني : إن فيه رجالا يحبون أن يتطهروا ، وفي تفسير هذه الطهارة قولان : الأول : المراد منه التطهر عن الذنوب والمعاصي ، وهذا القول متعين لوجوه : أولها : أن التطهر عن الذنوب والمعاصي هو المؤثر في القرب من اللّه تعالى واستحقاق ثوابه ومدحه . والثاني : أنه تعالى وصف أصحاب مسجد الضرار بمضارة المسلمين والكفر باللّه والتفريق بين المسلمين ، فوجب كون هؤلاء بالضد من صفاتهم . وما ذاك إلا كونهم مبرئين عن الكفر والمعاصي . والثالث : أن طهارة الظاهر إنما يحصل لها أثر وقدر عند اللّه لو حصلت طهارة الباطن من الكفر والمعاصي ، أما لو حصلت طهارة الباطن من الكفر والمعاصي ، ولم تحصل نظافة الظاهر ، كأن طهارة الباطن لها أثر ، فكان طهارة الباطن أولى . الرابع : روى صاحب « الكشاف » : أنه لما نزلت هذه الآية مشى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ومعه المهاجرون حتى وقف على باب مسجد قباء ، فإذا الأنصار جلوس ، فقال : « أمؤمنون أنتم » فسكت القوم ثم أعادها . فقال عمر : يا رسول اللّه إنهم لمؤمنون وأنا معهم ، فقال عليه السلام : « أترضون بالقضاء » قالوا نعم . قال : « أتصبرون على البلاء » قالوا : نعم ، قال : « أتشكرون في الرخاء » قالوا : نعم ، قال عليه السلام : « مؤمنون ورب الكعبة » ثم قال : « يا معشر الأنصار إن اللّه أثنى عليكم فما الذي تصنعون في الوضوء » قالوا : نتبع الماء الحجر . فقرأ النبي عليه السلام : فِيهِ رِجالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا الآية . والقول الثاني : أن المراد منه الطهارة بالماء بعد الحجر . وهو قول أكثر المفسرين من أهل الأخبار . والقول الثالث : أنه محمول على كلا الأمرين ، وفيه سؤال : وهو أن لفظ الطهارة حقيقة في الطهارة عن النجاسات العينية ، ومجاز في البراءة عن المعاصي والذنوب ، واستعمال اللفظ الواحد في الحقيقة والمجاز معا لا يجوز . والجواب : أن لفظ النجس اسم للمستقذر ، وهو القدر مفهوم مشترك فيه بين القسمين وعلى هذا التقدير ، فإنه يزول السؤال ، ثم إنه تعالى أعاد السبب الأول ، وهو كون المسجد مبنيا على التقوى ، فقال : أَ فَمَنْ أَسَّسَ بُنْيانَهُ عَلى تَقْوى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوانٍ خَيْرٌ وفيه مباحث . البحث الأول : البنيان مصدر كالغفران ، والمراد هاهنا المبني ، وإطلاق لفظ المصدر على المفعول مجاز مشهور ، يقال هذا ضرب الأمير ونسج زيد ، والمراد مضروبه ومنسوجه ، وقال الواحدي : يجوز أن يكون لبيان جمع بنيانة إذا جعلته اسما ، لأنهم قالوا بنيانة في الواحد . البحث الثاني : قرأ نافع وابن عامر أَ فَمَنْ أَسَّسَ بُنْيانَهُ على فعل ما لم يسم فاعله ، وذلك الفاعل هو الباني والمؤسس ، أما قوله : عَلى تَقْوى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوانٍ أي للخوف من عقاب اللّه والرغبة في ثوابه ، وذلك