فخر الدين الرازي
141
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
المسألة السادسة : قوله : وَيَأْخُذُ الصَّدَقاتِ فيه سؤال : وهو أن ظاهر هذه الآية يدل على أن الآخذ هو اللّه وقوله : خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ صَدَقَةً يدل على أن الآخذ هو الرسول عليه الصلاة والسلام وقوله عليه السلام لمعاذ : « خذها من أغنيائهم » يدل على أن آخذ تلك الصدقات هو معاذ وإذا دفعت الصدقة إلى الفقير فالحس يشهد أن آخذها هو الفقير فكيف الجمع بين هذه الألفاظ ؟ والجواب من وجهين : الأول : أنه تعالى لما بين في قوله : خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ صَدَقَةً أن الآخذ هو الرسول ، ثم ذكر في هذه الآية أن الآخذ هو اللّه تعالى ، كان المقصود منه أن أخذ الرسول قائم مقام أخذ اللّه تعالى ، والمقصود منه التنبيه على تعظيم شأن الرسول من حيث إن أخذه للصدقة جار مجرى أن يأخذها اللّه ، ونظيره قوله تعالى : إِنَّ الَّذِينَ يُبايِعُونَكَ إِنَّما يُبايِعُونَ اللَّهَ [ الفتح : 10 ] وقوله : إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ [ الأحزاب : 57 ] والمراد منه إيذاء النبي عليه السلام . والجواب الثاني : أنه أضيف إلى الرسول عليه السلام بمعنى أنه يأمر بأخذها ويبلغ حكم اللّه في هذه الواقعة إلى الناس ، وأضيف إلى الفقير بمعنى أنه هو الذي يباشر الأخذ ، ونظيره أنه تعالى أضاف التوفي إلى نفسه بقوله تعالى : وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ [ الأنعام : 60 ] وأضافه إلى ملك الموت ، وهو قوله تعالى : قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ [ السجدة : 11 ] وأضافه إلى الملائكة الذين هم أتباع ملك الموت ، وهو قوله : حَتَّى إِذا جاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنا [ الأنعام : 61 ] فأضيف إلى اللّه بالخلق وإلى ملك الموت للرياسة في ذلك النوع من العمل ، وإلى أتباع ملك الموت ، يعني أنهم هم الذين يباشرون الأعمال التي عندها يخلق اللّه الموت ، فكذا هاهنا . إذا عرفت هذا فنقول : قوله : وَيَأْخُذُ الصَّدَقاتِ تشريف عظيم لهذه الطاعة ، والأخبار فيه كثيرة عن النبي عليه السلام أنه قال : « إن اللّه يقبل الصدقة ولا يقبل منها إلا طيبا وأنه يقبلها بيمينه ويربيها لصاحبها كما يربي أحدكم مهره أو فصيله حتى أن اللقمة تكون عند اللّه أعظم من أحد » و قال عليه السلام : « والذي نفس محمد بيده ما من عبد مسلم يتصدق بصدقة فتصل إلى الذي يتصدق بها عليه حتى تقع في كف اللّه ، ولما روى الحسن هذين الخبرين قال : ويمين اللّه وكفه وقبضته لا توصف لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ [ الشورى : 11 ] واعلم أن لفظ اليمين والكف من التقديس . [ سورة التوبة ( 9 ) : آية 105 ] وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلى عالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ( 105 ) [ في قوله تعالى وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ ] وفيه مسائل : المسألة الأولى : اعلم أن هذا الكلام جامع للترغيب والترهيب ، وذلك لأن المعبود إذا كان لا يعلم أفعال العباد لم ينتفع العبد بفعله ، ولهذا قال إبراهيم عليه السلام لأبيه : لِمَ تَعْبُدُ ما لا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ وَلا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئاً [ مريم : 42 ] وقلت في بعض المجالس ليس المقصود من هذه الحجة التي ذكرها إبراهيم عليه السلام القدح في إلهية الصنم ، لأن كل أحد يعلم بالضرورة أنه حجر وخشب وأنه معرض لتصرف المتصرفين ، فمن شاء أحرقه ، ومن شاء كسره ، ومن كان كذلك كيف يتوهم العاقل كونه إلها ؟ بل المقصود أن أكثر عبدة